رأي

تمثال من ركام الحرب… وانقلاب يريد أن يخلّد نفسه قبل أن ينجو بنفسه

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب 

حين يعجز البعض عن كتابة صفحة مشرّفة في التاريخ، ينحتون لأنفسهم تمثالًا حتى يصدّقوا أنهم مرّوا من هنا.

في بلدٍ يتناثر فيه الخراب كما يتناثر الغبار على الأرصفة المهجورة، يطلّ علينا مشهد أقرب إلى النكتة الثقيلة: تمثال ضخم لقائدٍ ما زالت مدافعه تدخّن، يُرفع بكل جدية على رافعة عملاقة، وكأن البلاد انتهت من الحرب، وتعافت من النزوح، واشتعل اقتصادها بفضل “عبقرية القيادة”، فلم يبقَ إلا تدشين عصر النهضة بتمثالٍ جديد يتدلّى فوق رؤوس المنهكين.

المفارقة أن هذا التمثال ينهض في وقتٍ لا ينهض فيه شيء آخر: لا خدمات، لا كهرباء، لا سلام، لا دولة أصلًا. ومع ذلك، يبدو أن بعض العقول تختصر معنى الوطنية في قطعة برونز تُصنع على قياس الزعيم، لا على قياس المواطن الذي يصطفّ يوميًا في طوابير الحياة القاسية.

إنها كوميديا سياسية سوداء لا تحتاج إلى مؤلف؛ بلدٌ لم يجد مستشفى يصلح للجرحى، لكنه يجد موادًا وتمويلًا لتلميع وجه السلطة على قاعدة رخامية. بلدٌ تُقصف فيه المدن، لكن “صورة القائد” يجب ألا تُقصف، بل تُنحت وتحرس وتُنار ليلًا. كأن البلاد لا تسع سوى لرمزٍ واحد، حتى لو سقطت كل الرموز الباقية في البرك والطين والأنقاض.

والأغرب أن التمثال لم يُصنع لتخليد نصر عسكري، ولا إنجاز اقتصادي، ولا مصالحة وطنية، بل لمشهدٍ عابر التُقط في لحظة عاطفية واحدة ثم وُضع لاحقًا في ماكينة الدعاية. هذا ليس فنًا يُكرّم ذاكرة وطن؛ هذا إعلان تجاريّ لنظامٍ يحاول أن يخلّد نفسه بالصورة لأن الواقع لا يسعفه بأي إنجاز ملموس.

إن محاولة تجميد لحظةٍ متخيلة في برونز مصقول هي في حقيقتها محاولة لتجميد الوعي العام: انسوا الحرب، انسوا النزوح، انسوا الخراب… انظروا إلى التمثال، فهو أكثر لمعانًا من الحقيقة. إنها حيلة قديمة بوجهٍ جديد: حين تفشل السياسة، يتدخّل “النحت” لإنقاذ ما تبقى من هيبة القائد.

لكن الشعب – الذي يجرّ أكياس النزوح على كتفيه – يعرف أن الرخام لا يطعم جائعًا، والبرونز لا يوقف قذيفة، والتمثال لا يعوّض أمًا فقدت أبناءها. يدرك الناس اليوم، وبوضوح ساخر، أن تماثيل الحكّام تُشيَّد حين يكون الحاكم بحاجة ماسّة إلى بطلٍ يقدّمه للرواية الرسمية… حتى لو اضطرّ إلى نحت هذا البطل من شكله هو.

في النهاية، لا أحد يُخلَّد بالبرونز إلا من فشل أن يُخلّد نفسه بالإنجاز. وحدها الشعوب تكتب بعرقها ودموعها ما لا يستطيع النحّاتون كتابته على الحجر. أما التمثال المرفوع فوق الخراب فسيظل شاهدًا على زمنٍ أراد فيه الانقلاب أن يصنع لنفسه مجدًا مصطنعًا، بينما ينهار الوطن من تحته بلا تمثال… وبلا دولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!