
علي سانتينو
الحرب في السودان لم تعد صراع داخلي كما تروج القنوات العربية، بل تحوّلت إلى مسرح وقح لتصفية الحسابات الإقليمية، وعلى رأسها الأطماع المصرية القديمة المتجددة. فمنذُ زمن بعيد ومصر تنظر إلى السودان باعتباره حديقة خلفية لا دولة ذات سيادة، وتتعامل معه بمنطق الوصي الذي يقرر مسار الحكم ومآلات السُلطة والتخطيط للانقلابات. واليوم، بينما يسعى السودانيون لانتزاع حقهم في بناء دولة الحرية والعدالة، الدولة المدنية، تبرز القاهرة كأحد أهم العوائق أمام التحول الديمقراطي، خوفاً من أن يصبح السودان نموذجاً ينسف سردية الاستقرار الاستبدادي التي تبني عليها شرعيتها الداخلية.
إن القاهرة لا تُخفي هواجسها من قيام حكم مدني مستقل في الخرطوم، لأن نجاحه يعني بالضرورة تحوّلاً في ميزان القوى الإقليمي، وتحول السودان إلى دولة ذات قرار سيادي لا يمكن ابتزازها سياسياً أو اقتصادياً. لذلك يصبح استمرار الحرب مصلحة استراتيجية، جيش مُنهك، دولة ضعيغة، ونافذة تدخل دائمة تحت شعار حماية الأمن القومي!
لكن الدور المصري ليس وحده من يطيل أمد الحرب في السودان. فهناك أيضاً شريان التمويل المرتبط بحسب اتهامات واسعة في الساحة السياسية السودانية بشبكات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، والذي يٍستند إلى خزائن قطرية تُستخدم لتمويل صفقات تسليح مشبوهة تدفع بالصراع إلى مزيد من الاشتعال والحريق. هذا التنظيم الذي حكم السودان ثلاثين عاماً بالقمع والفساد، لم يتخلَّ عن طموحه في العودة للسلطة، ويستخدم الحرب سلّماً للرجوع إلى المشهد عبر الفوضى والتجييش والتسليح غير المعلن!
أما المجتمع الدولي، فقد ترك السودان يتدحرج نحو الهاوية. الرباعية التي تضم مصر لم تكن يوماً إطاراً محايداً، بل أصبحت جزءاً من المشكلة. فكيف يمكن لمُستفيد من الحرب أن يكون وسيطاً فيها؟ لذلك لا يبدو أن الحل سيولد من بيانات الرباعية، يولد من تدخل أمريكي مباشر وصارم يعيد ترتيب المشهد، يوقف تمدد الإرهاب، ويكبح الأطماع الإقليمية التي ترى في السودان مساحة نفوذ لا دولة مستقلة!
إن وقف الحرب لن يحدث ما دامت شبكات التمويل تعمل بلا رقابة، وما دامت الطرق الجوية والبحرية مفتوحة أمام شحنات السلاح، وما دامت الأطماع المصرية والإخوانية تتقاطع عند نقطة واحدة: هي منع السودان من التحول إلى دولة مدنية ديمقراطية قادرة على حماية نفسها!
ان السودان اليوم أمام مفترق طرق، إمّا أن يقطع علاقات التبعية التي كبّلته لعقود، أو يظل مسرحاً لصراعات الآخرين. وما لم تتكسّر هذه الحلقات الإقليمية، العقائدية، والعسكرية فلن يكون هناك سلامٌ دائم، ولن تكون هناك دولة مستقلة في السودان، بل تكون هناك مجتمعات منقسمه وجغرافيا معلّقة فوق فوهات البنادق.




