رأي

«قسموا لينا عبيدنا».. من استعلاء أحمد المهدي إلى سلطوية البرهان وتمرد الهامش

زينب حسن سعيد

 

 زينب حسن سعيد

​في ذاكرة الشعوب الحية، لا تموت الكلمات القاسية، بل تظل تتردد في أروقة التاريخ كجرس إنذار أو كشاهد إثبات على عمق المأساة. وفي التاريخ السياسي السوداني الحديث، تقف مقولة “قسموا لينا عبيدنا” التي نطق بها السيد أحمد المهدي في ستينيات القرن الماضي، كواحدة من أصدق وأبشع التعبيرات عن “العقلية” التي قادت السودان إلى واقعه الدامي اليوم.

​لم تكن تلك المقولة مجرد زلة لسان، بل كانت إعلاناً صريحاً عن خلل بنيوي، وتأسيساً لنهج احتكار السلطة الذي لا يزال يتحكم في مفاصل الدولة، وهو النهج ذاته الذي أشعل نيران المواجهة المفتوحة في السودان اليوم.

​جذور المقولة: صدمة الاستعلاء الطائفي

​تعود القصة إلى منتصف الستينيات، إبان الانشقاق الكبير داخل حزب الأمة وكيان “الأنصار”. حينها، وعندما وصلت محاولات التسوية بين أجنحة الأسرة إلى مرحلة تقاسم النفوذ وتوزيع “التركة” الجماهيرية، نطق السيد أحمد المهدي بعبارته الشهيرة: “قسموا لينا عبيدنا”.

​كشفت هذه العبارة بوضوح عن النظرة الاستعلائية التي اعتبرت الجماهير—والتي ينحدر السواد الأعظم منها من أقاليم السودان المهمشة—مجرد “أملاك” أو “رعايا” يُورثون، وليسوا مواطنين أو شركاء فاعلين في بناء مؤسسات حقيقية. كانت تلك اللحظة تجسيداً صارخاً لتعالي المركز على الأطراف، واعتبار أبناء الهامش مجرد وقود للمعارك وحشود لصناديق الاقتراع.

​البرهان.. التجسيد المعاصر لعقلية “المهدي”

​إذا أسقطنا هذه المقولة التاريخية على المشهد السوداني اليوم، سنجد أن الأسماء تغيرت لكن العقلية السلطوية بقيت وتجذرت. اليوم، يطل البرهان كنسخة حديثة وتجسيد معاصر لعقلية أحمد المهدي.

​فإذا كان المهدي ينظر إلى الأنصار كـ “ممتلكات” تُقسم في الغرف المغلقة، فإن البرهان والنخب السلطوية التي يمثلها ينظرون إلى الدولة السودانية ومؤسساتها وقرارها السيادي كـ “إقطاعية خاصة”. هذه النخبة العسكرية والسياسية المتمركزة في الخرطوم لا تزال تتعامل مع بقية مكونات السودان باستعلاء، رافضة أي محاولة جادة لتفكيك هياكل السلطة غير الرسمية، ومصرة على احتكار الامتيازات التاريخية للمركز النيلي.

​بالنسبة لهذه النخب، يجب أن تظل القوى القادمة من خارج هذا النادي المغلق مجرد أدوات تابعة ومطيعة، تُستخدم لحماية العرش، وتُنبذ إذا ما طالبت بشراكة حقيقية في صناعة القرار.

​تمرد الهامش.. الانتصار على النخب السلطوية

​أمام هذا الاستعلاء التاريخي، لم يعد من الممكن إبقاء الأوضاع على ما هي عليه. ما يشهده السودان اليوم من صدام ليس مجرد حرب عبثية، بل هو في أحد أهم أبعاده محاولة لكسر هذه العقلية الاحتكارية.

​لقد أدركت قوات الدعم السريع، التي يمثل أبناء الأطراف والهامش عمودها الفقري، حجم الغبن التاريخي وحقيقة أن نخب المركز لا تراهم سوى بيادق. تحركت هذه القوات في مواجهة مفتوحة لمحاولة الانتصار على النخب السلطوية التي اختطفت الدولة لعقود. إنها معركة تهدف في جوهرها إلى إنهاء حقبة “قسموا لينا عبيدنا”، والسعي نحو إعادة صياغة معادلة القوة، وتجريد النخب التقليدية من هيمنتها، وفرض واقع جديد لا تكون فيه السلطة حكراً على فئة تعتبر الآخرين مجرد أتباع.

​المواطن وفاتورة التغيير القاسية

​رغم أن مسار الصدام الحالي يحمل في طياته محاولة لتصحيح الخلل التاريخي وتحطيم أصنام السلطوية، إلا أن المواطن السوداني هو من يدفع الفاتورة الأبهظ لهذا المخاض العسير.

​النزوح والتشريد: الملايين وجدوا أنفسهم خارج منازلهم، يدفعون ثمن انهيار البنية القديمة.

​غياب الإرادة: يعيش المواطن الأعزل تحت وطأة واقع لم يختره، محاصراً بين نيران المعارك وتداعيات غياب الحوكمة المدنية.

​خاتمة

​إن حرب السودان الحالية هي ارتداد مزلزل لتاريخ طويل من الاستعلاء وتغييب العدالة. وبينما يمثل البرهان امتداداً جلياً لعقلية أحمد المهدي التي ترفض التنازل عن احتكارها للدولة، تقف قوات الدعم السريع في خندق المحاولة الجريئة لإنهاء سيطرة هذه النخب السلطوية. ولن يخرج السودان من نفق هذه الأزمة إلا بتأسيس شرعية حقيقية مبنية على الكفاءة والمواطنة، وتفكيك نهائي لكل الهياكل التي قامت يوماً على استعباد السودانيين وتهميشهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!