رأي

نازحو العفاض… مأساة مستغَلّة أم دروع بشرية؟

الطاهر علي موسى

 

الطاهر علي موسى

منذ اندلاع الحرب السودانية الأخيرة تحوّلت قضية النزوح إلى واحدة من أكثر الملفات تشوهاً واستغلالاً. وبينما يموت الناس جوعاً في أطراف الفاشر وقرني وكركر وطويلة، ظهر فجأة ما يُسمّى بـ “نازحي العفاض” في الشمال، وسط استقبال احتفالي ومسارح سياسية صُنّعت بعناية، حتى بدا المشهد وكأنه تجارة مربحة باسم الألم وليست معاناة بشر هاربين من الموت.

لقد أصبحت تجارة النازحين ماركة مسجّلة في وجه السياسيين وتجار الحرب؛ من الكيزان وحلفائهم العسكريين، إلى بعض قيادات حركات دارفور، وصولاً إلى ساسة الشمال الذين دخلوا مضمار المزاد متأخرين ولكن بشراهة أكبر. فالمشهد اليوم لا يختلف كثيراً: كسب سياسي رخيص، وصناعة حالة “إنسانية وهمية” تُستجلب بها الأموال والولاءات والمواقف.

لكن، ما يثير الدهشة فعلاً هو معسكر العفاض الذي ظهر كنموذج “فاخر” للنزوح. بيوت مشيدة، خيام مرتّبة، ثياب جديدة، وجوه ممتلئة، واحتفالات صاخبة. كيف يمكن لناسٍ قيل إنهم وصلوا من الفاشر تحت الحصار، أن يبدوا بهذه الأناقة؟

كيف لإنسان عاش عامين بلا غذاء ولا ماء أن يرقص طرباً، ويتمايل نشاطاً، ويمشي بكامل عافيته؟

كيف لمن يُقال إنهم قطعوا عشرات الكيلومترات ودفعوا نصف مليون للكارو، أن يظهروا أقوى من أهل الفاشر أنفسهم؟

لقد زرت الفاشر بعد التحرير مباشرة. رأيت بعيني نازحين حقيقيين ينهار القلب قبل الجسد لرؤيتهم:

أجسادهم نحيلة كأن الجلد التصق بالعظم، أعين غائرة، أطفال لم يتذوّقوا الطعام أياماً.

حدثني رجلٌ بصوت مرتجف قائلاً: “لو تأخر التحرير أسبوعاً واحداً فقط لَمَا وجدنا لا انمباز لا موية”.

هل يعقل أن هؤلاء يُقارنون بمن يستقبل الولاة بالرقص والخبور والملابس الباهظة؟

من يُصدّق هذا عليه أن يراجع ضميره قبل عقله.

ثم يأتي السؤال الأكبر:

إذا كان “نازحو العفاض” فعلاً هاربين من الفاشر، فلماذا طُرد أهل الغرب الحقيقيون من المدارس في عطبرة؟

ولماذا هُدمت منازلهم في الخرطوم؟

ولماذا لم يُستقبلوا بالزغاريد والاحتفالات كما يحدث في العفاض؟

وما الذي تغيّر فجأة ليصبح “نازحو الفاشر” موضع حفاوة في الشمال، بعد أن كانوا يُطاردون ويُهانون هناك

السؤال الحتمي الذي يجب أن يُطرح:

هل جاء استقبالهم حباً فيهم؟ أم لأنهم مطلوبون كدروع بشرية في حال وقوع هجوم محتمل من قوات تأسيس؟

إن الإجابة ليست صعبة… لكن الاعتراف بها يحتاج شجاعة.

في زمن الحرب تختلط السيوف بالنيات، وتضيع الحقيقة بين طمع السياسيين وخوف العسكريين.

لكن تظل هناك قاعدة لا تتبدل:

النازح الحقيقي لا يرقص… النازح الحقيقي لا يتجمّل… النازح الحقيقي لا يكذب على جراحه.

ومن أراد أن يقنع الناس بأن “نازحي العفاض” جاؤوا من الفاشر، فعليه أولاً أن يجيب عن الأسئلة التي تهرب السياسة منها، ويعرف أن الوجع لا يُقلّد… والمعاناة لا تُفبرك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!