
إيمان التجاني
في ظل واحدة من أعقد الأزمات التي يشهدها السودان، تتقاطع اليوم دعوات الهدنة الإنسانية مع طموحات إعادة تأسيس الدولة، في مشهد يعكس عمق الصراع وتشابك أبعاده. خطاب قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، إلى جانب خطاب حكومة السلام، لم يكونا مجرد رسائل مناسبة عيد، بل طرحا رؤيتين متكاملتين: تخفيف فوري لمعاناة المدنيين، وبناء سياسي يتجاوز الحرب نحو أفق جديد.
الدعوة إلى هدنة إنسانية لم تعد خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة ملحة في ظل الانهيار المتسارع للأوضاع المعيشية. ملايين النازحين، وانقطاع الخدمات، وتزايد أعداد الضحايا، كلها مؤشرات على كارثة تتطلب استجابة عاجلة. غير أن نجاح أي هدنة يبقى مرهونًا بمدى جديتها وضمان عدم استغلالها لإعادة ترتيب موازين القوة ميدانيًا.
في المقابل، يطرح خطاب حكومة السلام تصورًا أوسع، لا يكتفي بوقف القتال، بل يسعى إلى معالجة جذور الأزمة السودانية. الحديث عن “السودان الجديد” يعكس إدراكًا بأن الحرب ليست مجرد صراع عسكري، بل نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة. بناء دولة مدنية ديمقراطية، قائمة على العدالة والمساواة، لم يعد ترفًا سياسيًا، بل شرطًا للاستقرار.
غير أن التحدي الأكبر يكمن في الفجوة بين الطموح والواقع. فغياب الثقة بين الأطراف، وتعدد مراكز القوة، وتعقيدات المشهد الإقليمي، كلها عوامل تجعل من الانتقال من هدنة مؤقتة إلى تسوية سياسية شاملة مهمة بالغة الصعوبة. كما أن أي مشروع لإعادة تأسيس الدولة يحتاج إلى توافق وطني واسع، لا يزال بعيد المنال في ظل الاستقطاب الحاد.
رغم ذلك، فإن اللحظة الراهنة تحمل فرصة نادرة. فالإجماع على ضرورة تخفيف المعاناة الإنسانية، إلى جانب إدراك الحاجة لإصلاح جذري، قد يشكلان نقطة التقاء يمكن البناء عليها. المطلوب اليوم ليس فقط وقف إطلاق النار، بل خلق مسار سياسي حقيقي يفتح الباب أمام إعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
السودان يقف اليوم بين خيارين: استمرار الحرب بكل كلفتها، أو استثمار هذه اللحظة لفتح صفحة جديدة. وبين هدنة مؤقتة ومشروع وطني طويل المدى، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة السودانيين على تحويل الألم إلى فرصة، والصراع إلى بداية مختلفة.




