رأي

بابنوسة تنهض من الرماد: عودة الحياة إلى المدينة المحررة وبدء فصل جديد من الحرية والسلام

محمد عيسي حامدين

 

محمد عيسى حامدين

حين تتحرر الأرض… تتحرر معها الأرواح.

لم يكن تحرير مدينة بابنوسة حدثاً عابراً في مجرى الحرب التي عصفت بغرب كردفان منذ الخامس من أبريل، بل لحظة فاصلة كشفت حجم المعاناة التي عاشها المدنيون تحت قصف الطيران واحتلال الفرقة 22 من قبل جيش الحركة الإسلاموية والمليشيات المتعاونة معه. فمنذ سيطرة تلك القوات على المنطقة تحولت المدينة إلى أطلال شبه خالية، بعدما أجبر القصف الوحشي الأهالي على النزوح طلباً للأمان، بينما تهاوت المنازل، ودُمّرت البنية التحتية، واستُهدفت المرافق العامة بشكل ممنهج يهدف إلى ترك المدينة بلا روح ولا قدرة على الحياة.

كانت الطائرات التي يتحكم فيها تنظيم الإخوان المسلمين، وبدعم مباشر من الطيران المصري، تقصف بلا تمييز، حتى باتت بابنوسة مثالاً صارخاً للتهجير القسري ولجرائم الحرب التي مارستها قوى انتهجت العنف منهجاً للبقاء. فخلو المدينة من سكانها لم يكن ظرفاً طبيعياً، بل نتيجة مباشرة لسياسة الأرض المحروقة التي رأى فيها النظام السابق وسيلته لضرب الحاضنة الاجتماعية وفرض السيطرة بالقوة.

لكن لحظة التحرير بدّدت ذلك الليل الطويل. فمع اندحار جيوب “الكيزان” والفلول وزبانيتهم من الفرقة 22، بدأت أولى ملامح الحياة تعود إلى جسد المدينة، كما لو أن الجرح بدأ يلتئم فجأة بعد سنوات من النزيف. وبمجرد إعلان التحرير، شرع الأهالي في التحرك نحو بابنوسة، حاملين أمتعتهم القليلة وقلوبهم الممتلئة بالرغبة في العودة إلى ما تبقى من بيوتهم وذكرياتهم وكرامتهم.

الطرق القديمة التي كانت خالية إلا من الخوف امتلأت مجدداً بوجوه عائدة تتفقد الركام وتبحث عما لم يسرقه الدمار. وبينما كان بعضهم يبكي على بقايا منزل أو متجر، كان آخرون يرفعون الأعلام ويهتفون للحرية، معتبرين أن العودة ليست مجرد خطوة إنسانية، بل فعل مقاومة في حد ذاته. فقد أثبتت تجارب الشعوب أن المدن التي تنهض بعد الكارثة تصبح أكثر قدرة على مواجهة المستقبل، وأكثر صلابة في حماية أحلامها.

وفي ولاية غرب كردفان، انطلقت الاحتفالات على نطاق واسع، ليس فقط لأن مدينة تم تحريرها، بل لأن “القميرة” كما نسميها نحن أهل بابنوسة استعادت مكانتها كرمز للحياة. فهذه المدينة التي أُطفئت بالقصف، تشرق اليوم من جديد، وتعلن أنها لن تكون ساحة لظلم آخر أو منصة لمليشيات تعيث خراباً. لقد تحوّلت بابنوسة إلى عنوان للتحرير وللتغيير وللسلام، وإلى رسالة واضحة بأن إرادة الناس أقوى من الطغيان مهما طال.

إن ما بعد التحرير ليس أقل أهمية من لحظة التحرير نفسها. فإعادة بناء البنية التحتية وعودة الخدمات الأساسية وتأمين الطريق للنازحين كلها مهام تتطلب تلاحماً مجتمعياً كبيراً. وقد أثبتت الأيام الأولى أن الأهالي مستعدون لهذه المرحلة بما يملكون من صبر وإيمان بوطنهم.

بابنوسة اليوم، رغم الندوب العميقة، مدينة تتنفس الأمل. وما يحدث فيها ليس مجرد عودة سكان، بل بداية عودة الروح إلى غرب كردفان كلها، وبشارة بأن زمن الظلم ينحسر مهما حاول أن يطول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!