تقارير وتحقيقات

الإدانات الكيميائية تهز بورتسودان: تحولات دولية تعيد رسم موازين القوة في السودان

تقرير تحليلي صادر عن: المركز الأفريقي للتنمية المحلية (ديسمبر 2025)

التنوير: متابعات

الملخص التنفيذي:

يتناول هذا التقرير التطورات الدولية الأخيرة المتعلقة بإدانات الجيش السوداني لاستخدام الأسلحة الكيميائية، وانعكاسات هذه الإدانات على التوازنات السياسية والعسكرية في السودان. كما يوثق تحولاً جوهرياً في المواقف الدولية تجاه السلطة القائمة في بورتسودان، وتأثير هذا التحول على موازين القوى بين الأطراف المتنازعة.

تحولت الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية من مجرد ملفات دبلوماسية هامشية إلى نقطة كسر كبرى في الشرعية الدولية للسلطة القائمة في بورتسودان، لتفتح الباب أمام عزلة غير مسبوقة ومساءلة قد تعيد تشكيل المشهد السياسي في السودان بالكامل.

السياق والخلفية:

يشهد السودان، منذ منتصف عام 2023، نزاعاً مسلحاً مستمراً أسفر عن أزمة إنسانية حادة. وفي سياق هذا النزاع، طُرحت اتهامات موثقة ضد الجيش السوداني بشأن استخدام أسلحة كيميائية محظورة دولياً، مما أثار قلقاً دولياً متزايداً وحفّز تحركات دبلوماسية وقانونية على الصعيد العالمي.

الإدانات الدولية الموثقة:

1/ الموقف الأمريكي الرسمي

أدانت الولايات المتحدة الأمريكية، بعد تحقيقات موثقة، استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية في العمليات العسكرية الجارية. وقد نتج عن هذه الإدانة:

تشكل الإدانات الأمريكية والتحقيقات الحقوقية تراكماً ضاغطاً يقيّد قدرة الجيش على المناورة، ويكشف انكماش الفضاء الدبلوماسي أمامه، فيما تتسع دائرة الاعتراف الدولي بعمق الأزمة وتزداد الدعوات للتحقيق والمساءلة.

  • فرض عقوبات مباشرة على قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.
  • إصدار بيانات دبلوماسية رسمية تدين الانتهاكات.
  • تأكيد السفير الأمريكي لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية صحة الاتهامات.

2/ التوثيق المستقل من المنظمات الحقوقية

أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش إجراء تحقيقات مستقلة توصلت إلى:

  • تحليل صور وفيديوهات تثبت استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية.
  • توثيق الآثار على السكان المدنيين.
  • تأكيد المصداقية العلمية للأدلة المجمعة.

نجحت قوات الدعم السريع في تحويل الإدانات الدولية إلى رأسمال سياسي، مقدمة نفسها كطرف قادر على تحريك الملفات الدولية، لتعيد تموضعها كفاعل إقليمي مؤثر في لحظة فارقة من الحرب السودانية.

3/ التحركات الدبلوماسية الإقليمية

تقدمت جمهورية تشاد، بصفتها عضواً في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بمذكرة رسمية تطالب بـ:

  • فتح تحقيق دولي مستقل في الاتهامات.
  • توثيق الانتهاكات رسمياً لدى الهيئات الدولية المختصة.
  • اتخاذ إجراءات قانونية بموجب الاتفاقيات الدولية الملزمة.

التداعيات على الشرعية الدولية للسلطة القائمة وتحول الإطار القانوني:

1/ تمثل الإدانات الأمريكية المتكررة نقطة تحول حاسمة في الشرعية الدولية للسلطة القائمة في بورتسودان. فقد انتقلت الاتهامات من مجرد بيانات إعلامية إلى إطار قانوني ملزم على الصعيد الدولي، تمخض عنها عقوبات اقتصادية وسياسية مباشرة، وعزلة دبلوماسية متصاعدة، وطلبات رسمية للاعتراف الفوري بانتهاكات حقوق الإنسان.

2/ تراجع خيارات المناورة الدبلوماسية:

أدت هذه التطورات إلى تقليص خيارات التفاوض المتاحة أمام قيادة الجيش السوداني، وتحول الولايات المتحدة من موقف “حياد ظاهري” إلى طرف يساند ضمنياً تغيير الأوضاع الحالية وفق رؤيتها.

3/ تضييق الفضاء الدبلوماسي أمام الحكومة في بورتسودان على الصعيد العالمي.

4/ تأثر الشرعية المحلية نتيجة فتح ملف الأسلحة الكيميائية أمام الرأي العام السوداني، مما يقود إلى تصدّع محتمل في الجبهة الداخلية للجيش الوطني وحلفائه.

5/ معارضة متزايدة داخل المؤسسة العسكرية من قبل القيادات الوسطى الرافضة لارتباط اسم الجيش بجرائم حرب وانتهاكات قانونية دولية.

6/ تصاعد الضغط القانوني الدولي بما يعزز المسار نحو المساءلة، من خلال الدعوات الموجهة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية عبر مذكرة تشاد الرسمية، التي تمهد لتحقيق دولي رسمي واحتمالية إصدار مذكرات اعتقال دولية بموجب نظام روما الأساسي، مما يحدّ بشكل فعلي من قدرة النظام على التفاوض والمناورة السياسية.

استثمار قوات الدعم السريع للإدانات الدولية:

تحولت الإدانات إلى رأسمال سياسي استطاعت قوات الدعم السريع (RSF) استغلاله من خلال تقديم نفسها كـ”ضحية محتملة” لاستخدام الأسلحة الكيميائية، واحتكار الخطاب الإنساني في تعاملاتها مع المنظمات الدولية، ونشر أدلة مصورة (كما في تقارير إعلامية دولية مثل فرانس 24) لتعزيز مصداقيتها.

وقد مكّنها ذلك من:

  • بناء بنية إعلامية نشطة وفعّالة.
  • تعزيز العوامل الموضوعية لصالح موقفها السياسي.
  • توثيق الانتهاكات بطرق تدعم صورتها كـ”رقيب محايد” على جرائم الجيش.

ضعف قدرة الجيش على الرد:

عجز الجيش السوداني عن نفي الاتهامات بأدلة مقنعة وموثوقة أو بناء رواية بديلة معتبرة على الصعيد الدولي، مما أضعف قدرته على استعادة المصداقية في التعاطي الإعلامي والدبلوماسي.

تتراجع مكانة الجيش السوداني في الساحة الأمنية الإقليمية، فيما تظهر قوات الدعم السريع كبديل محتمل لدى بعض القوى الدولية الباحثة عن شريك قابل للتعاون، في تحول يهدد بإعادة صياغة موازين القوة.

كما منحت مذكرة تشاد الرسمية شرعية دولية غير مباشرة لقوات الدعم السريع باعتبارها طرفاً قادراً على تحريك الملفات الدولية، وفتحت لها قنوات اتصال رسمية مع دول ذات وزن دولي، مما أتاح لها موقعاً متقدماً في الساحة الدبلوماسية الأفريقية.

تراجع تأثير الجيش الأمني:

تراجع دور الجيش السوداني في ملفات مكافحة الإرهاب الإقليمية، مقابل تقديم قوات الدعم السريع نفسها كـ”شريك أمني قابل للتعاون” في منطقة الساحل الأفريقي، مع اكتساب نفوذ متزايد لدى الفاعلين الدوليين.

السيناريوهات المستقبلية المحتملة:

1/ تفعيل آليات التفاوض المشروط:

قد تستثمر قوات الدعم السريع الموقف الحالي عبر ربط أي وقف لإطلاق النار بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة، وفرض اعتراف دولي بها كـ”سلطة أمر واقع”، مع تحديد شروط التسوية بما يعزز موقفها السياسي.

وقد تسعى أيضاً إلى تعزيز مؤسساتها الإدارية في المناطق الخاضعة لسيطرتها (دارفور وأجزاء من كردفان)، وتقديم الخدمات العامة كـ”دولة موازية”، وبناء شرعية محلية تدعم الاعتراف الدولي بها.

2/ التقارب مع دول تدين الانتهاكات:

قد تعمل قوات الدعم السريع على بناء تحالفات مع دول ترفض انتهاكات حقوق الإنسان (مثل جنوب أفريقيا وغيرها)، وتقديم “رؤية سودانية بديلة” عن نموذج بورتسودان، مستفيدة من الإدانات الغربية المتزايدة للجيش السوداني.

 تسير السلطة القائمة نحو تآكل سريع في شرعيتها، مع اتساع فجوة الثقة داخلياً وخارجياً، وازدياد مخاطر تصنيفها كـ‘نظام مارق’، وهو تحول يعمّق العزلة ويضيّق خيارات البقاء السياسي.”

الخلاصات والاستنتاجات:

  • الإدانات الدولية كأداة هيكلية:

حوّلت الإدانات الدولية من مجرد بيانات سياسية إلى أداة لإعادة رسم التحالفات في الساحة الأفريقية، وفتح مسارات جديدة لشرعنة البدائل السياسية، وتعديل موازين القوى بين الأطراف المتنازعة.

  • تراجع موقف النظام الحالي:

أدى إلى تقهقر مستمر نحو خانة “النظام المارق” في المعايير الدولية، وتآكل في الشرعية المحلية والدولية، وانحسار في الفضاء الدبلوماسي المتاح له.

  • صعود نسبي لقوات الدعم السريع:

تشهد قوات الدعم السريع تعزيزاً نسبياً لموقفها السياسي والعسكري، واكتسابها شرعية دولية غير مباشرة، إلى جانب توسع نفوذها الإقليمي والدولي.

التوصيات:

يوصي المركز الأفريقي للتنمية المحلية بـ:

  1. المراقبة المستمرة للتطورات القانونية الدولية وتأثيراتها على السياق السوداني.
  2. التوثيق الدقيق لجميع الانتهاكات المزعومة وفقاً للمعايير الدولية.
  3. دعم آليات المساءلة الدولية وفقاً للاتفاقيات والأنظمة الدولية الملزمة.
  4. متابعة الآثار الإنسانية للنزاع على السكان المدنيين بشكل مستقل وموثّق.
  5. تعزيز حوار الرباعية بهدف إيجاد مسارات تسوية سلمية عادلة وشاملة.

المراجع والمصادر:

  • التقارير الرسمية للإدارة الأمريكية.
  • تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش.
  • وثائق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
  • البيانات الرسمية لجمهورية تشاد.
  • التقارير الإعلامية الدولية.
  • المركز الأفريقي للتنمية المحلية.

africancenterlocaldevelopment@gmail.com

حافظ يوسف حمودة / المدير العام

التاريخ: ديسمبر 2025

التصنيف: للاستخدام العام

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!