رأي

طموحات السودانيين بين خارطة الرباعية واستسلام أمراء الحرب

مؤيد الأمين

 

 مؤيد الأمين

تتداول الأوساط الإعلامية والسياسية خلال الأسابيع الأخيرة بنود خارطة الطريق المقترحة من قِبل الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر) لإنهاء الحرب في السودان عبر مسارات متوازية تشمل: وقف إطلاق النار، ترتيبات أمنية شاملة، انتقال سياسي جديد، وإقصاء الحركة الإسلامية الإرهابية والمؤتمر الوطني المحلول عن ترتيبات “اليوم التالي”. هذه البنود — في ظاهرها — تبدو متسقة تماماً مع تطلعات ملايين السودانيين الذين أنهكتهم الحرب، وخرجوا منذ ديسمبر 2018 مطالبين بدولة مدنية وجيش مهني وحياة آمنة ومستقبل بلا وصاية ولا ميليشيات ولا تنظيمات عابرة للمؤسسات. لكن السؤال الجوهري: هل ما يُطرح حالياً قادر فعلاً على تحقيق هذه الأهداف؟ وهل سيرضخ الإخوان المتأسلمون والبرهان لهذا المسار الذي يهدد نفوذهم الوجودي؟

1. خارطة الرباعية وطموح الدولة المدنية

تمتاز خارطة الطريق بميزات أساسية طال انتظارها: الإقرار بأن الجيش يجب أن يعود إلى دوره الطبيعي، وأن الدولة المدنية يجب أن تكون المرجعية العليا، وأن الحركة الإسلامية التي أعادت البلاد إلى مربع الفوضى يجب أن تُستبعد من مستقبل الحكم. هذا الخط السياسي أعاد الأمل في إمكانية إطفاء الحريق الذي أشعله جنرالات الصراع ومهندسو الاستقطاب العقائدي داخل مؤسسات الدولة.

بالنسبة للشعب السوداني، هذه النقاط ليست مجرد بنود تفاوضية، بل هي خلاصة نضال لعقود ضد نظام شمولي اختطف الدولة لمصالح ضيقة. ولذلك يبدو أن الرباعية التقطت نبض الشارع، وقررت لأول مرة أن تضع التجربة السودانية فوق الحسابات الإقليمية الضيقة.

2. هل سيرضخ الإخوان المتأسلمون؟

من الناحية الواقعية، الحركة الإسلامية والدوائر المرتبطة بها تدرك أن خارطة الرباعية ليست مجرد مقترح سياسي، بل هي مشروع شطب من الحياة العامة. فالمجتمع الدولي والشركاء الإقليميون، خصوصاً بعد ثلاث سنوات من الحرب، أصبحوا يربطون بقاء الكيزان في المشهد بمواصلة الفوضى وعودة السودان كمنصة تهدد الاستقرار الإقليمي.

هنا يظهر السؤال: هل يمكن أن يخضع التنظيم لمطلب الاستبعاد؟

التجارب تشير إلى أن الإخوان المتأسلمين لا يستسلمون طوعاً، بل يبحثون دوماً عن مسارات التفاف. لكن لحظة التوازن الحالية تختلف جذرياً:

1. فقدوا الغطاء الدولي الذي كانوا يستندون إليه في الماضي.

2. فقدوا الرافعة العسكرية التي كانت تمنحهم قوة التأثير داخل الجيش.

3. فقدوا الشرعية الشعبية بعد سنوات الحرب والنزوح والمجاعات.

لذلك، فإن قدرتهم على مقاومة القرار الدولي باتت أضعف من أي وقت مضى، وما قد يبدو استسلاماً سيكون في الحقيقة نتاجاً لعزلة متصاعدة لا يملكون القدرة على مواجهتها.

3. البرهان بين المطرقة والسندان

البرهان يقف اليوم في مفترق طرق شديد التعقيد. فمن جهة، يعتمد في قوته وشرعيته على الدعم الصريح والغامض من الحركة الإسلامية، وعلى بقايا تحالفات عسكرية تشكّلت أثناء الحرب. ومن جهة أخرى، يدرك أن الرباعية — وخصوصاً الولايات المتحدة — لن تقبل بأي مخرج سياسي يبقي الإسلاميين في مرحلة الانتقال القادمة.

بعبارة أخرى:

استسلام البرهان لمسار الرباعية قد يكون أيضاً استسلاماً قسرياً لميزان القوى، لا عن قناعة سياسية أو رغبة ذاتية. فإذا اختار الانحياز للإخوان، فسيجد نفسه معزولاً تماماً أمام ضغط دولي متناسق، وإذا حاول التخلص منهم، فسيواجه مقاومة شرسة من داخل المؤسسة العسكرية التي لا تزال تضم جيوباً موالية لهم.

 

لذلك، التوقع الأكثر منطقية هو أن البرهان سيحاول المناورة لا الكسر، وسيبحث عن هبوط ناعم يضمن له خروجاً آمناً، حتى لو تم ذلك على حساب الحركة الإسلامية نفسها.

4. كيف سترد الرباعية على الكيزان والبرهان؟

المطروح داخل الأوساط الدبلوماسية يشير إلى أن الرباعية لن تتراجع عن خطوطها العريضة، والرسالة التي تريد إيصالها واضحة:

لا مستقبل لأي قوة مسلحة خارج إطار الدولة.

لا عودة للمؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية في أي صيغة.

لا شرعية للجنرالات إن لم يقبلوا بالانتقال المدني

ومن المتوقّع أن تستخدم الرباعية أدوات ضغط متعددة:

1. العقوبات الفردية على معرقلي المسار السياسي.

2. المساءلة القانونية عن جرائم الحرب والانتهاكات.

3. الحصار الاقتصادي والدبلوماسي على أي قيادة عسكرية تعطل الانتقال

4. ضمانات إقليمية تمنع أي دولة من تقديم غطاء للكيزان أو لداعميهم داخل الجيش.

هذا النوع من الضغط المنسّق قد يدفع البرهان إلى قبول تسوية تضمن له الخروج، بينما يترك الكيزان بلا حماية ولا منصة للعودة.

5. هل تتحقق تطلعات السودانيين؟

الطريق إلى الاستقرار لن يكون سهلاً، فإخراج الحركة الإسلامية من المشهد يتطلب:

إرادة دولية صلبة

وحدة القوى المدنية

إعادة بناء الجيش على أسس مهنية

لكن لأول مرة منذ اندلاع الصراع، يبدو أن الإرادة الدولية والإقليمية تتقاطع مع مطلب السودانيين المركزي: إنهاء الحرب واستعادة الدولة المدنية.

النجاح مرهون بقدرة الرباعية على فرض التزامات واضحة، وباستعداد الجيش — بقيادة البرهان أو من دونه — للقبول بمرحلة انتقالية جديدة خالية من تدخل الإسلاميين.

الخلاصة

خارطة الطريق ليست مجرد وثيقة تفاوض، بل اختبار لإرادة المجتمع الدولي وإرادة السودانيين. الكيزان سيقاومون، والبرهان سيحاول المناورة، لكن ميزان القوى يميل الآن نحو الشعب، لأن الحرب أنهكت الجميع، ولأن العالم أدرك أخيراً أن استمرار الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة يعني استمرار الفوضى.

قد لا يأتي الاستسلام سريعاً، ولكنه قادم، لأن الزمن السياسي للكيزان انتهى، ولأن البرهان بلا خيارات حقيقية سوى الانحناء أمام العاصفة والقبول بمسار الرباعية الذي يعيد السودان إلى مدنيته ويعيد الجيش إلى مهنية حقيقية كان يستحقها منذ سنوات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!