السودان بين تناقضات الماضي وأحلام المستقبل: خارطة طريق نحو الدولة المتصالحة مع ذاتها
د.يعقوب آدم عبد الشافع

د. يعقوب آدم عبد الشافع
يواجه السودان سؤالاً جوهرياً ظل يتردّد عبر أجيال من المفكرين والسياسيين والمجتمع: كيف يمكن لبلد تتصارع داخله الأفكار قبل القوى، أن يبني دولة مستقرة وعادلة؟ فمنذ فجر الاستقلال، أصبح السودان أكثر البلدان قابلية لتحوّله إلى «حقل تجارب مجاني» لكل الفلسفات المستوردة، ولكل الأيديولوجيات التي عجزت عن النجاة في أوطانها، فوجدت هنا دولة هشّة ومجتمعاً ممزقاً حول الهوية والانتماء.
لقد تشكل المشهد السوداني الحديث عبر قوى متباينة في رؤاها، متناقضة في مشروعها، ومتضادة في فهمها للدولة. فالجيش نشأ بوصفه امتداداً لقوة دفاع السودان، حاملاً معه إرث المركزية التاريخية. وفي المقابل، لعبت النخب السياسية—بتكوينها التاريخي ومصالحها الممتدة—دوراً كبيراً في تحويل البلاد إلى مسرح لاستنساخ تجارب عقائدية: من تصوّف وطائفية وسلفية باسم العروبة والدين، إلى مشروعات يسارية وقومية عابرة للحدود، مثل الشيوعيين، والإخوان المسلمين، والاتحاديين، والناصريين، والبعث السوري والعراقي، بالإضافة إلى حركات التحرير.
وبذلك تحوّل السودان إلى فسيفساء من المشاريع المتصارعة، دون وجود مشروع وطني جامع.
والمفارقة أن هذه القوى—برغم خطابها العالي—تعجز عند المواجهة عن الإجابة على سؤالين مباشرين:
كيف يمكن لهم أن يتوافقوا اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً؟
وكيف يديرون التنوع الذي يفرّون من الاعتراف به أصلاً؟
والإجابة الحقيقية تكمن في أن هذه القوى، تاريخياً، لم تكن مؤهلة لإدارة التنوع، لأنها نفسها نتاج صراعاته وأزماته. ولهذا ظل السودان يدور في الحلقة الخبيثة ذاتها: دولة بلا عقد اجتماعي، ومجتمع بلا هوية جامعة، ونخب لا تتقن ثقافة الاعتذار أو المسؤولية أو المراجعة.
إن الطريق نحو السودان الجديد—وفق رؤية تحالف التأسيس—لا يقوم على إعادة تدوير الفشل، بل على مبادئ الاعتراف، والقبول، والاعتذار، والعفو، والمحاسبة، والإصلاح الشامل. وهذه ليست شعارات، بل شروط لازمة لإعادة التأسيس الحقيقي.
وترتكز الرؤية على جمع أربعة كتل سودانية أساسية في تسوية وطنية شاملة لا تستثني أحداً:
1. الكتلة السودانية الأصيلة (البجا، النوبة، الفونج، الزنج السودانيون).
2. كتلة الهوية والوجدان (العرب الأبالة والبقارة).
3. جيل الزنجراب، أبناء الأطراف حيث الامتزاج الاجتماعي والثقافي.
4. النخب، باعتبارها جزءاً من المشهد التاريخي وشريكاً لا يمكن تجاهله في صناعة الدولة—دوراً ومسؤوليةً ومحاسبةً.
هذه الكتل الأربع، إن ارتفعت فوق جراحاتها، يمكنها أن تعقد مؤتمراً وطنياً شاملاً يختار قيادة شرعية جديدة، ويكتب دستوراً معبّراً عن الجميع، ويعيد تأسيس مؤسسات الدولة: الجيش والشرطة والأمن، بعقيدة وطنية لا جهوية. كما يضع خطة تنمية متدرجة حسب الأولويات: الأمن، الإسكان، الصحة، التعليم، البنية التحتية، الاتصالات، والتنمية المتوازنة.
إن مشروع الولايات المتحدة السودانية ليس حلماً مثالياً، بل رؤية سياسية عملية تعيد هندسة الدولة من أساسها: دولة علمانية، ديمقراطية، عادلة، تعترف بكل شعوبها، وتعيد توزيع السلطة والثروة على أساس الشراكة لا الهيمنة.
وهكذا فقط يمكن للسودان أن يخرج من لعنة التاريخ، ودوامة التجريب الأيديولوجي، ليدخل عهد الدولة التي تُبنى بإرادة مواطنيها، لا بقوالب أفكار الآخرين.
بقلم: د. يعقوب آدم عبد الشافع
رئيس حركة الإصلاح والتجديد
كمبالا 4 ديسمبر 2025م




