رأي

أزمة السودان :تاريخ مثقل بالاقصاء المنظم والهيمنة الممنهجة !!!

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

الوطن لا يتسع للجميع إلا إذا اتسعت العدالة للجميع.

    عندما تُناقش الأزمة السودانية في الفضاءين السياسي والإعلامي، يندفع كثيرون إلى اختزالها في مرحلة حكم الحركة الإسلامية أو في الحرب الراهنة، وكأن تاريخ السودان بدأ مع انقلاب الثلاثين من يونيو أو انتهى عند الخامس عشر من أبريل. غير أن القراءة الجادة لتاريخ الدولة السودانية تكشف أن جذور الأزمة أعمق بكثير من أي نظام سياسي عابر، وأن المأزق السوداني في جوهره هو مأزق دولة تأسست على اختلالات بنيوية رافقت نشأتها منذ فجر الاستقلال.

الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن السودان لم يرث دولة وطنية مكتملة الأركان عند الاستقلال، بل ورث جهازاً إدارياً صممه الاستعمار لخدمة أهدافه السياسية والاقتصادية والأمنية. كان الهدف الأساسي لذلك الجهاز هو إدارة البلاد بأقل تكلفة ممكنة، وضمان تدفق الموارد نحو المركز، مع الإبقاء على الأطراف في حالة تبعية دائمة. وعندما غادر المستعمر، لم يغادر معه النموذج الذي صنعه، بل ورثته نخب محلية أعادت إنتاجه بأدوات جديدة وأسماء مختلفة.

منذ السنوات الأولى للاستقلال، تشكلت طبقة سياسية واقتصادية احتكرت السلطة والثروة والقرار. لم تكن هذه الطبقة تمثل كل السودانيين، بل كانت تعبر عن مصالح مجموعات محدودة تركز نفوذها في قلب الدولة المركزية. ومع مرور الزمن تحولت الخرطوم إلى مركز يجذب الموارد والفرص والخدمات، بينما تُركت الأقاليم البعيدة خارج دائرة الاهتمام الوطني.

وهكذا بدأت تتشكل معادلة غير عادلة: مركز يحتكر السلطة والثروة، وهامش يتحمل الأعباء ويدفع الثمن.

لم تكن الأزمة مجرد خلل إداري أو ضعف في التخطيط التنموي، بل كانت تعبيراً عن رؤية سياسية كاملة للدولة. رؤية اعتبرت أن المركز هو صاحب الحق الطبيعي في الحكم، وأن الأطراف مجرد مناطق تابعة ينبغي إدارتها لا تمكينها. ولذلك لم يكن غريباً أن تتراكم مشاعر الغضب والاحتقان في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان ومناطق أخرى عديدة.

في الوقت الذي كانت فيه الحكومات المتعاقبة تتحدث عن الوحدة الوطنية، كانت سياساتها العملية تنتج واقعاً مختلفاً تماماً. فالمشاريع الكبرى والخدمات الأساسية والاستثمارات العامة تركزت في مناطق محددة، بينما ظلت مساحات شاسعة من البلاد تعاني العزلة والتهميش وغياب التنمية.

لقد أصبح التفاوت التنموي بين المركز والهامش أحد أبرز مظاهر الأزمة السودانية. ففي كثير من المناطق ظلت المدارس والمستشفيات والطرق المعبدة حلماً بعيد المنال لعقود طويلة. ولم يكن الأمر نتيجة لفقر الموارد، فبعض تلك المناطق تُعد من أغنى أقاليم السودان بالثروات الطبيعية والزراعية والحيوانية والمعدنية. لكن المشكلة كانت دائماً في كيفية توزيع السلطة والثروة والعوائد.

ومع غياب العدالة الاقتصادية، برزت أزمة أخرى لا تقل خطورة، وهي الإقصاء السياسي. فقد تركزت مواقع اتخاذ القرار في يد نخب محددة، بينما بقيت قطاعات واسعة من المجتمع خارج دائرة التأثير الحقيقي. وعندما كانت تندلع الأزمات، غالباً ما كانت تُدار بعقلية أمنية بدلاً من البحث عن حلول سياسية عادلة.

من هنا بدأت الحركات الاحتجاجية والمطالبات بالحقوق، ثم تطورت لاحقاً إلى تمردات مسلحة وحروب طويلة الأمد. لم تكن تلك الحروب وليدة نزعات انفصالية كما حاولت بعض الخطابات الرسمية تصويرها، بل كانت في كثير من جوانبها تعبيراً عن فشل الدولة في بناء عقد اجتماعي عادل يضمن المشاركة المتساوية لكل المواطنين.

ومع كل جولة جديدة من الصراع، كانت الفجوة بين المركز والهامش تتسع أكثر فأكثر. وبدلاً من معالجة جذور المشكلة، لجأت الحكومات المختلفة إلى حلول مؤقتة واتفاقيات جزئية لم تمس جوهر الأزمة. ولذلك سرعان ما كانت النزاعات تعود بأشكال أكثر تعقيداً وعنفاً.

ولعل أخطر ما أنتجته هذه المعادلة المختلة هو تحويل أبناء الهامش إلى وقود دائم للحروب. فقد دفعت مناطق الأطراف أثماناً باهظة من أرواح أبنائها ومواردها واستقرارها الاجتماعي. كما تعرضت مجتمعات كاملة للنزوح والتشريد وفقدان مصادر العيش، بينما بقيت أسباب الأزمة الأساسية دون معالجة حقيقية.

لكن المأساة لم تتوقف عند حدود الاقتصاد والسياسة والأمن. فقد امتدت إلى المجال الثقافي والهوياتي أيضاً. إذ فشلت الدولة السودانية في بناء مشروع وطني جامع يستوعب التنوع الهائل الذي يميز المجتمع السوداني. وبدلاً من الاعتراف بالتعدد الثقافي والإثني والديني بوصفه مصدر قوة، جرى التعامل معه أحياناً باعتباره مشكلة يجب احتواؤها أو تذويبها.

نتيجة لذلك، نشأت أجيال كاملة وهي تشعر بأن ثقافاتها ولغاتها وتاريخها لا تحظى بالاعتراف الكافي داخل الفضاء الوطني العام. ومع تراكم هذه المشاعر، تحولت أزمة الهوية إلى أحد أهم محركات الصراع السياسي والاجتماعي في البلاد.

ثم جاءت مرحلة الإسلام السياسي لتضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الأزمة. فبدلاً من تفكيك بنية الدولة المركزية القديمة، جرى توظيفها بصورة أكثر شمولاً لخدمة مشروع أيديولوجي ضيق. ومع أن الأدوات والشعارات اختلفت، فإن جوهر العلاقة بين المركز والهامش ظل كما هو: احتكار للسلطة، وتوزيع غير عادل للموارد، وإقصاء لقوى اجتماعية وسياسية واسعة.

لقد عمقت تلك المرحلة الانقسامات الوطنية وأعادت إنتاج المظالم التاريخية بأشكال جديدة، الأمر الذي ساهم في اتساع دائرة الحروب وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

واليوم، وبعد عقود طويلة من الفشل والصراعات والانقلابات والحروب، بات من الواضح أن الأزمة السودانية لا يمكن اختزالها في إسقاط نظام أو استبدال حكومة بأخرى. فالمشكلة الحقيقية تكمن في طبيعة الدولة نفسها وفي الأسس التي قامت عليها.

إن السودان بحاجة إلى مشروع وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأقاليم، وبين السلطة والمواطنة. مشروع يقوم على الاعتراف بالتنوع، وعلى العدالة في توزيع السلطة والثروة، وعلى المشاركة المتساوية في صناعة القرار الوطني.

كما أن بناء السلام المستدام يتطلب الانتقال من مفهوم السيطرة إلى مفهوم الشراكة، ومن عقلية الهيمنة إلى عقلية المواطنة المتساوية. فلا يمكن تحقيق الاستقرار عبر القوة وحدها، ولا يمكن فرض الوحدة الوطنية بالقهر أو التهميش أو الاحتكار.

إن الدرس الأكبر الذي ينبغي استخلاصه من تاريخ السودان الحديث هو أن أي دولة لا تستوعب جميع أبنائها على قدم المساواة محكوم عليها بإعادة إنتاج الأزمات ذاتها مهما تبدلت الحكومات والأنظمة والشعارات.

ولهذا فإن السودان الجديد لن يولد من رحم التسويات المؤقتة أو الترتيبات النخبوية الضيقة، بل من خلال عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة المواطنة والعدالة والكرامة الإنسانية. دولة يشعر فيها ابن دارفور وابن جبال النوبة وابن النيل الأزرق وابن الشرق وابن الشمال والوسط بأنهم شركاء متساوون في الوطن لا رعايا على هامش السلطة.

ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم. وهو أيضاً الطريق الوحيد نحو سلام دائم وتنمية عادلة ووحدة وطنية راسخة. فالأزمة لم تكن يوماً أزمة أطراف ضد مركز فحسب، بل أزمة دولة لم تنجح بعد في أن تكون دولة لجميع مواطنيها.

وحين تصبح العدالة أساس الحكم، والمواطنة معيار الحقوق، والتنوع مصدر قوة لا سبباً للإقصاء، عندها فقط يمكن للسودان أن يطوي صفحة أزماته الطويلة ويبدأ كتابة فصل جديد من تاريخه؛ فصلٍ تُبنى فيه الدولة على إرادة شعبها لا على امتيازات نخبها، وعلى الشراكة الوطنية لا على الاحتكار والإقصاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!