
(انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ)
صدق الله العظيم
دكتور … عمر القراي
لم ييأس الإخوان المسلمون من الحيل والالتواء. فبعد أن وافقت حكومتهم بقيادة البرهان على مفاوضات السلام في جدة، وذهبوا مرة بل مرتين، تخلّوا عنها، ثم أعلنوا أنهم لا يوافقون عليها!! ثم ذهبوا إلى مفاوضات المنامة ووقّعوا اتفاقها مع الدعم السريع، ثم صمتوا عنها كأنها لم تكن، مع أن عليها من العالم شهوداً!! ثم ترددوا بين الذهاب والانسحاب من مفاوضات جنيف.
وعندما جاءت الرباعية، وبعد اتصالات بهم، أبدوا موافقة مبدئية، وأرسلوا وفد الحكومة ـ سراً ـ إلى الولايات المتحدة للتفاوض، بينما كانوا في الداخل يدقون طبول الحرب، ويقتلون المواطنين الأبرياء بالطائرات، ويخوّنون ويعاقبون كل من ينادي بوقف الحرب. ثم حين شعر تنظيم الإخوان المسلمين بأن نتائج مقترحات الرباعية لن تكون في صالحه، وجّه حكومة البرهان برفضها، وتقديم رؤية تُحمّل الدعم السريع كامل اللوم، وتطلب منه التسليم. وبالطبع لم تقبل الرباعية تلك الرؤية. وحين فاجأهم الدعم السريع بقبول المقترحات وإعلان الهدنة ووقف إطلاق النار من جانبه، هدتهم شياطينهم إلى فكرة جديدة: القضاء على الرباعية نفسها!! وذلك بمحاولة خداع الولايات المتحدة عبر مقال صحفي باسم البرهان.
لقد نشر البرهان مقاله في صحيفة( وول ستريت جورنال) واسعة الانتشار، وبدأ بكذبة كبيرة حين قال:
“إن السودان يخوض معركة من أجل بقائه، ومن أجل سلام عادل لا يمكن بلوغه إلا بدعم شركاء يدركون حقيقة كيف بدأت هذه الحرب… اندلع الصراع لأن قوات الدعم السريع، وهي مليشيا مدججة بالسلاح ذات سجل طويل من الوحشية، تمردت على الدولة”.
والحقيقة أن السودان لا يخوض معركة من أجل بقائه؛ فالمواطنون السودانيون في المناطق التي سيطر عليها الدعم السريع يعيشون في أمان، ولم يُقتلوا، ولم يُطردوا، ولم يُميَّز بينهم على أساس العرق، بل سعى الدعم السريع ـ ونجح أحياناً ـ في إيصال الإغاثة لهم وإعادتهم إلى منازلهم. كما أن الحرب ليست من أجل سلام عادل، لأن حكومة البرهان هي التي ظلت ترفض التفاوض، ولو أرادت السلام لطرحته على طاولة الحوار. وهي لا تريد شركاء لدعم السلام، وإنما تريد شركاء لدعم الحرب؛ ولهذا استعانت بالطيران المصري، والمسيرات التركية والإيرانية، والجنود التقراي، ومع ذلك باءت بالفشل الذريع!!
كتائب الإخوان المسلمين هي التي بدأت الحرب بالهجوم على الدعم السريع في المدينة الرياضية، وساقوا البرهان إليها كالجمل المخشوش. وقد شهدت قيادات مدنية وعسكرية من الإخوان بذلك. والبرهان يعلم أن الدعم السريع ليس مليشيا؛ فحكومة البشير ـ التي كان البرهان أحد قادتها العسكريين ـ أقرّت قانون الدعم السريع، والقوات المسلحة سلّحته قبل وبعد مجيء البرهان. بل إن البرهان هو الذي غيّر قانون القوات المسلحة، وجعل الدعم السريع قوة موازية للجيش لا تابعة له، بإلغائه المادة التي تُتبعه للجيش. ولذلك لا يصح أن يصف خلافه مع الجيش بالتمرد. وليس للدعم السريع سجل طويل من الوحشية؛ فالسجل الأطول هو سجل الجيش نفسه. وكان البرهان يمارس هذه الوحشية، وقد شارك في قتل 250 ألفاً من أهالي دارفور وتشريد مليوني مواطن. وبسبب هذه الجرائم أصبح البشير وأحمد هارون وغيرهم مطلوبين للجنائية الدولية، وما زال البرهان يحميهم داخل السودان، ويحاول ان ينسب وحشيتهم إلى غيرهم. كم من الأكاذيب حملت هذه الفقرة وحدها؟!
ثم إن البرهان حاول أن يستغل خدعة إعلام الاخوان المسلمين لوسائل الإعلام العالمية، فقال:
“عندما استولت قوات الدعم السريع على الفاشر في أواخر أكتوبر أُفيد بأنها ذبحت الآلاف من المدنيين”، واستشهد بتقرير “ييل” الذي قال إن الضحايا عشرة آلاف.
لكن الحقيقة أن تقارير “ييل” و”الجارديان” ومحطات عالمية تلقت صوراً وفيديوهات ملفقة صُنع بعضها بالفوتوشوب والذكاء الاصطناعي، وكان بعضها من حروب أخرى، أو صور أقمار صناعية التُقطت قبل الحرب، وقد كشف خبراء عبر (فرنسا 24) زيف معظمها. وبدأت وسائل إعلام عالمية، تخشى على سمعتها، تنشر التصحيحات تباعاً، ولم يبقَ مخدوعاً بها إلا المواطن البسيط الذي يشاهد إعلام حكومة السودان.
وفي مقاله يقول البرهان:
“لقد أدركت منذ وقت طويل أن قوات الدعم السريع كانت بمثابة قنبلة موقوتة”.
والسؤال: ماذا فعل حين أدرك ذلك؟!
لقد زادها تسليحاً، وعيّن قائدها نائباً له، بل قال له إنه إن لم يقبل المنصب فسيتخلى البرهان عن الحكم!! ثم سمح لتلك القنبلة الموقوتة بالتمركز في مواقع استراتيجية في العاصمة. فماذا كان سيفعل لو لم يدرك أنها قنبلة موقوتة؟!
ثم اتجه البرهان إلى إغراء الحكومة الأمريكية بالتعاون معه، حين كتب:
“الحرب تهدد استقرار البحر الأحمر شرقاً ومنطقة الساحل غرباً، وتشكل خطراً مباشراً على المصالح الأمريكية”.
وكأن المسؤولين الأمريكيين لا يعلمون أن الجماعات الإسلامية والإخوان المسلمين هم الذين هددوا مصالح الولايات المتحدة، وضربوا سفاراتها، وأن أسامة بن لادن ـ الذي اعتدى عليها وقتل نحو ثلاثة آلاف في نيويورك ـ كان مقيماً ومستثمراً في السودان تحت رعاية حكومة الإخوان. فمن الذي يهدد المصالح الأمريكية أكثر منهم؟! ومن الذي كان يردد شعار: «أمريكا روسيا قد دنا عذابها»؟! أليست حكومة البرهان هي التي وعدت الروس من قبل بقاعدة عسكرية على البحر الأحمر؟! وقد أعادوا العرض ذاته في أكتوبر الماضي للمرة الثالثة، كما نشرت( وول ستريت جورنال) نفسها، حيث عرضت حكومة البرهان على الحكومة الروسية، السماح بإقامة قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، تسمح بنشر 300 جندي، وأربع سفن حربية، إضافة إلى حصول “الكرملين” على امتيازات في مجال التعدين، مقابل ان تحصل الحكومة السودانية على أنظمة دفاعية جوية.
ثم زاد البرهان على الإغراء رشوة علنية حين قال:
“يريد السودان أن يكون شريكاً قوياً للولايات المتحدة… وسيكون للشركات الأمريكية دور مهم في إعادة الإعمار والاستثمار والتنمية طويلة الأمد”.
والحديث عن مكافحة الإرهاب هو عين الكذب؛ ألم يسمع البرهان خطبة قائد كتيبة البراء بن مالك وهو يقول: «الحمد لله الذي أمر بالإرهاب»؟! وهذه الكتيبة واحدة من عشرات الكتائب المتطرفة في صفوف الجيش. أما حديثه عن إعطاء الشركات الأمريكية عقود الإعمار، فباطل أيضاً، لأنه سبق ووقّع اتفاقات الإعمار مع الحكومة المصرية والشركات المصرية.
وتأتي قمة التزلف لأمريكا بادعاء القرب من إسرائيل، حين قال البرهان:
“أتخذ السودان تحت قيادتي خطوة تاريخية في 2021م وهي الانضمام إلى اتفاقيات إبراهام. نحن نؤمن بأن السلام والتعاون هما الطريق الوحيد نحو شرق أوسط ومنطقة قرن افريقي أكثر استقراراً وما زالت هذه الرؤية توجهنا”.
فالبرهان الذي ساعد حماس، ومكن لها في السودان، ويتفق معها في رؤية الإخوان المسلمين، الذين كانوا باستمرار يخرجون في المظاهرات في السودان، وهي تندد بإسرائيل، وعدوانها على الفلسطينيين، ويهتفون في الشوارع (خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود)!! يدعي الآن أنه يؤمن بالتطبيع مع إسرائيل، ويؤمن باتفاقيات ابراهام، التي تدعو للتصالح، والتعاون، بين أصحاب الأديان الإبراهيمية الكبرى: اليهودية والمسيحية والإسلام.
ألا يعلم البرهان بأن الشريعة الإسلامية، التي يدعى تنظيم الإخوان المسلمين – وهو عضو فيه وكان ممثل له حين كان معتمد في نيرتتي بدارفور- الحرص على تطبيقها، قد أمرت بقتال أهل الكتاب “اليهود والنصارى” كما في قوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)؟!
ألا يعلم البرهان بأن الشريعة الإسلامية، التي يدعو الأخوان المسلمون إلى تطبيقها اليوم منعت موالاة اليهود والنصارى، وعقد المصالحات والتآخي معهم، اعتمادا على قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)؟!
البرهان لا يحمل فهما متقدما للإسلام يرى موقوتية هذه النصوص، لأنه لا يحمل غير الفهم السلفي للإسلام الذي يتبناه الأخوان المسلمون.. لكنه يكذب على نفسه، قبل أن يكذب على القراء الأمريكيين. وسبب كذبه على نفسه، أنه فقد القوة، التي كانت مصدر ادعائه، وافترائه على الخلق.
(ضل عنهم ما كانوا يفترون)
صدق الله العظيم.
4 ديسمبر 2025م




