
نجم الدين دريسة
في لحظة فارقة من التاريخ السوداني المعاصر، تشهد العديد من المدن السودانية حراكًا شعبيًا واسعًا، عبّر عنه آلاف المواطنين الذين خرجوا تأييدًا لحكومة السلام والوحدة، أو ما يُعرف بـ”حكومة القاعدة العريضة”. هذه الحكومة تمثل طيفًا متنوعًا من القوميات والثقافات والمكونات السودانية التي طالما عانت لعقود طويلة من التهميش، وظلت قابعة في هوامش السلطة والثروة والتنمية، بسبب استئثار فئات محدودة بمقاليد الحكم، وهي ذات الفئات التي أورثها المستعمر شرعية زائفة، ففشلت في بناء دولة المواطنة المتساوية، وأهدرت فرص التقدم، وقادت السودان إلى مهاوي الانقسام والضعف والانهيار.
إن الزخم الجماهيري المؤيد لحكومة الوحدة ليس مجرد موقف سياسي طارئ، بل هو تعبير عميق عن توق الشعوب السودانية إلى العدالة الاجتماعية، والمساواة، والاعتراف المتبادل. فقد دفع السودانيون ثمنًا باهظًا بسبب فساد النخب المركزية، وانعدام التنمية، وتدهور الخدمات الأساسية، وغياب العدالة في توزيع الموارد، ناهيك عن التمييز والإقصاء والتهميش العرقي والجهوي، الذي رافقه استغلال فجّ للموارد الزراعية والحيوانية لمناطق الإنتاج، دون أي عائد يذكر لأهلها، مما عمّق مشاعر الغبن الاجتماعي ووسّع هوة الثقة بين المواطن والدولة.
ثم جاءت الحرب المشؤومة التي أشعلتها فلول النظام البائد، تحديدًا الجناح العسكري للحركة الإسلامية، الذي ظل يختطف الجيش السوداني لعقود، ويستخدمه كأداة لإجهاض تطلعات الشعب، وإعادة إنتاج الشمولية تحت شعارات مضللة. هذه الحرب لم تكن إلا محاولة يائسة للعودة إلى الحكم فوق جماجم الأبرياء، عبر تسعير الفتن العرقية والمناطقية، وافتعال الأزمات، والتضييق على المواطنين في الغذاء والدواء والتعليم.
وقد تماهى مع هذا المشروع الظلامي ما يُعرف بـ”جماعة بورتسودان”، والتي باتت تمثل الواجهة القبيحة للثورة المضادة، حيث استباحت الخطاب العنصري والجهوي، وسعت لتأجيج الكراهية، وتعطيل امتحانات الطلاب، وحرمان المواطنين من الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحصول على الأوراق الثبوتية، في سياق عقوبات جماعية لا تختلف عن جرائم الحرب، وتستهدف كسر إرادة المجتمعات المقاومة لمشروعهم الإقصائي الفاشل.
إن هذه الممارسات تُعرّي مجددًا الأسس الفكرية للحركة الإسلامية، التي لم تؤمن يومًا بمفهوم الوطن القائم على المواطنة، بل سعت دائمًا لتكريس الحكم باسم الدين والعرق، على حساب التنوع والتعدد.
ووسط هذا الانحدار المأساوي، يواجه السودان أسوأ فصول تاريخه الحديث، حيث تتهدد وحدته الجغرافية وهويته الوطنية بسبب استمرار هذا المشروع التخريبي الذي ترعاه الدولة المصرية جهارًا، حفاظًا على مصالحها في مياه النيل وموارد السودان، عبر دعم فلول الإسلاميين والدفع بهم مجددًا إلى واجهة المشهد السياسي.
في مواجهة هذا المخطط، فإن القوى الوطنية والمدنية والاجتماعية مطالبة بتحمل مسؤولياتها التاريخية. لا بد من تحرك وطني واسع لتشكيل حكومة وحدة وطنية عريضة، تستند إلى الشرعية الشعبية، وتستوعب كل المكونات التي ناضلت من أجل العدالة والكرامة، بعيدًا عن المحاصصات العقيمة، ومن خارج عباءة المركز الاستعلائي القديم.
هذه الحكومة المنشودة يجب أن تتكون من كفاءات وطنية مخلصة، تعمل على ترسيخ قيم الحكم الرشيد، وبناء دولة المواطنة، وتفجير طاقات الوطن الكامنة، وتوظيف موارده الطبيعية والاقتصادية والبشرية لصالح كل أبناء الشعب، لا لفئة دون أخرى. إنها معركة التأسيس الجديد، التي لا تحتمل أنصاف المواقف، أو مجاملة الأوهام القديمة.
فقط من خلال مشروع وطني جامع، يستند إلى الحرية، والسلام، والعدالة، والتنمية المتوازنة، يمكن للسودان أن يخرج من نفقه المظلم، نحو وطن يسع الجميع، ويُكرّم الإنسان، ويحترم تنوعه، ويوفر له سبل العيش الكريم.




