
صالح السليمي
منذ عقود طويلة، ظلّ خطاب الكراهية أحد أكبر المعضلات التي تُعيق تشكُّل دولة سودانية مستقرة ومتوازنة. لم يهبط هذا الخطاب من السماء؛ بل تشكّل عبر تراكمات تاريخية، ونزاعات سياسية، وصراعات اجتماعية غذّتها السلطات المتعاقبة تارة، وأبناء المجتمع أنفسهم تارة أخرى. واليوم، وفي ظلّ ما يشهده السودان من تمزق وتشظي، بات من الضروري تفكيك هذا الخطاب فهمًا وتحليلًا، ورسم الطريق نحو مجتمع يضع وحدة الوطن فوق كل اعتبار.
١/ جذور خطاب الكراهية في المجتمعات السودانية
تعود جذور خطاب الكراهية في السودان إلى مجموعة من العوامل المتشابكة. أولها البنية الاجتماعية التقليدية القائمة على الانتماءات العرقية والقبلية، التي صُنعت منها هويات متوازية أكثر من كونها هوية وطنية جامعة. تفاقم هذا الإرث بفعل سياسات الحكومات المتعاقبة التي تعاملت مع هذه الانقسامات كمخزون يمكن تعبئته سياسيًا، لا كجرح يستوجب العلاج. أضف إلى ذلك التفاوت التنموي بين المركز والهامش، وهو تفاوت جعل فئات واسعة تشعر بالغبن والحرمان، وأتاح للمحرضين أن يصوغوا خطابًا يبني على الظلم الحقيقي، ثم يحوّله إلى كراهية شاملة.
كما لعبت النزاعات المسلحة منذ سبعينيات القرن الماضي دورًا محوريًا في توسيع الهوة بين السودانيين، إذ ترافق القتال في الجنوب، ثم دارفور، ثم جبال النوبة وغيرها، مع حملات دعائية كانت تجرّد الطرف الآخر من إنسانيته، مما كرّس صورة “العدو الداخلي” في الذهن الجمعي. وهكذا، أصبح خطاب الكراهية جزءًا من بنية التفكير السياسي والاجتماعي، بدل أن يكون مجرد سلوك عابر.
٢/ أهمية نبذ خطاب الكراهية
نبذ خطاب الكراهية ليس عملًا مثاليًا أو ترفًا أخلاقيًا؛ إنه ضرورة وجودية لوطن مهدّد في جغرافيته وبنيته الاجتماعية. الكراهية لا تنتج تنمية، ولا تصنع أمنًا، ولا تبني جسورًا. بل إن كل لحظة يتم فيها بث خطاب تحريضي هي خسارة مباشرة للسودان: خسارة في الثقة الاجتماعية، خسارة في الوحدة الوطنية، وخسارة في فرص المستقبل.
إن مجتمعًا مأزومًا بالكراهية لا يستطيع أن يدير خلافاته سلميًا، ولا يمكنه أن ينتج مؤسسات مستقرة. فالكراهية تُبقي الجروح مفتوحة، وتخلق أجيالًا تربّت على الخوف والعداء قبل أن تتعرّف على معنى الوطن. ولذلك فإن أي مشروع لبناء السودان يجب أن يبدأ بتحرير الوعي من ثقافة “نحن” مقابل “هم”، وإحلال قيمة المواطنة المتساوية مكان الانتماءات الضيقة.
٣/ خطاب الكراهية كحالة مرضية
من الناحية الاجتماعية والنفسية، يمكن النظر إلى خطاب الكراهية كـ حالة مرضية تصيب المجتمعات التي تعجز عن مواجهة أزماتها بطرق صحية. الكراهية تصبح قناعًا يخفي الفشل السياسي، وملاذًا للهاربين من مواجهة تعقيدات الواقع. إنها تشبه العدوى: تنتشر سريعًا، وتؤثر على مناعة المجتمع، وتحوّل الفرد العادي إلى جزء من ماكينة تحريض.
لا ينشأ خطاب الكراهية من فراغ؛ بل ينبع من سياق يُكافأ فيه صانعو الكراهية بالشهرة والاتباع والنفوذ، بينما يعاقَب دعاة السلام بالتجاهل أو التشكيك. وهكذا يتحول هذا الخطاب إلى ما يشبه “الإدمان الجمعي”، حيث يجد البعض فيه متنفسًا لصراعاتهم الشخصية، بينما يستخدمه آخرون كأداة لفرض السيطرة. وإذا لم يُحاصر مبكرًا، فإنه يتحوّل إلى ثقافة مستقرة قادرة على تدمير المجتمع من الداخل.
٤/ دور الدولة ومؤسساتها في كسر شوكة خطاب الكراهية
لا يمكن مواجهة خطاب الكراهية دون دولة قوية تمتلك إرادة سياسية ورؤية واضحة. دور الدولة يبدأ بوضع تشريعات صارمة تعاقب التحريض، وتمنع استغلال الإعلام والمنابر العامة لبث الفتنة. لكن التشريعات وحدها لا تكفي؛ فوجود مؤسسات عدلية مستقلة، وإعلام مهني، ومنظومة تعليمية تُعلي قيم التعايش، كلها عناصر لا غنى عنها.
كما أن على الدولة أن تعالج جذور الظلم الحقيقي الذي يغذي الكراهية. فلا قيمة لمحاربة خطاب الكراهية دون معالجة التهميش الاقتصادي والسياسي الذي صنع الأرضية الخصبة له. دولة القانون وحدها، ودولة الحقوق المتساوية، قادرة على تحويل الانتماء للوطن إلى أولوية تسبق الانتماء للقبيلة أو الجهة.
والدولة لا تعمل وحدها؛ فالمجتمع المدني، والمؤسسات الدينية، والقيادات المحلية، جميعها مطالبة بأن تقوم بدور فعّال في كسر دائرة التحريض. لا بد من تجريم الصمت، لأن الصمت أمام الكراهية مشاركة في إنتاجها.
٥/ الطريق إلى بناء وطن موحّد بعيدًا عن النعرات العنصرية
إن الطريق نحو وطن موحد يبدأ بإعادة صياغة العلاقة بين السودانيين. لا بد من مشروع وطني جديد يضع الهوية السودانية الجامعة في أعلى سلم القيم، ويجعل المواطنة معيار الانتماء الوحيد. ويقتضي ذلك الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي والديني بوصفه ثروة وطنية لا تهديدًا يجب محوه.
كما أن بناء وطن موحد يمر عبر:
• مصالحة وطنية شاملة تكشف الحقائق وتعالج الجراح.
• نظام تعليمي يعيد تشكيل وعي الأجيال على قيم التعدد.
• إعلام وطني يقدّم نماذج إيجابية تعكس ما يجمع السودانيين ولا يفرقهم.
• بناء مؤسسات دولة عادلة تمنح الجميع حقوقهم بلا تمييز.
إن دعاة الكراهية يكسبون نفوذًا مؤقتًا، لكن ما يكسبونه هو في الحقيقة خسارة للسودان: خسارة لوحدته، لمستقبله، لقدرته على النهوض. أما المكسب الحقيقي فهو في وعي المجتمع بأن بلدًا متعدد الأعراق والثقافات لا يمكن أن يعيش إلا بوحدة واعية، مبنية على احترام الآخر، وعلى رفض كل خطاب يحوّل الإنسان إلى هدف للكراهية بدل أن يكون شريكًا في الوطن.
وفي النهاية، يبقى السؤال: من يكسب عندما يخسر السودان؟
الإجابة واضحة: لا أحد. فالخسارة تتناثر على الجميع، بينما يربح الوطن فقط عندما يُهزم خطاب الكراهية، ويعلو صوت العقل، ويستعيد السودانيون قدرتهم على رؤية بعضهم البعض كأبناء وطن واحد، لا كمشاريع صراع.




