رأي

🔴 سيطرة الدعم السريع على النفط: التحوّل الذي يعيد تشكيل معادلة القوة في السودان

لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبة

 

لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبة 

تمثّل سيطرة قوات الدعم السريع على حقول النفط في غرب وجنوب كردفان تحولاً استراتيجياً غير مسبوق في بنية الدولة السودانية، قبل أن يكون مجرد مكسب ميداني في ساحة القتال. فمنذ اكتشاف النفط وتشغيل حقوله، شكّل هذا المورد شرياناً حيوياً لاقتصاد الدولة ومصدراً أساسياً للعملة الصعبة، إلى جانب دوره المركزي في تزويد السوق المحلي بالوقود وتشغيل الكهرباء، الأمر الذي جعل من السيطرة عليه عاملاً بالغ التأثير في ميزان القوى.

وتأتي أهمية هذه الحقول أيضاً من ارتباطها المباشر بخطوط الأنابيب الممتدة نحو دولة جنوب السودان، التي تعتمد عليها في تصدير نفطها، ما يجعل السيطرة عليها ورقة إقليمية حساسة، وذات تأثير مباشر على العلاقات والتوازنات في المنطقة.

إن انتقال السيطرة على هذا المورد الحيوي لقوات الدعم السريع يشير بوضوح إلى اختلال ميزان القوة التقليدي لصالحها، ويؤكد أن المؤسسة العسكرية فقدت أحد أهم مصادر تمويلها وقدرتها على الاستدامة في القتال. فالنفط لا يوفر فقط عائداً اقتصادياً، بل يمنح الطرف المتحكم فيه قدرة أكبر على الصمود، والتحرك، واستقطاب الدعم السياسي والعسكري.

سياسياً، يفتح هذا التطور الباب أمام ترتيبات جديدة تتجاوز سلطة حكومة بورتسودان المحدودة، ويعزز موقع حكومة تأسيس كفاعل رئيسي في معادلة الحكم والتفاوض. أما دولياً، فقد بات المجتمع الدولي أكثر يقيناً بفقدان الجيش سيطرته على الدولة، وهو ما يدفع باتجاه تسريع المسار التفاوضي، ويفتح المجال أمام مقاربات جديدة لتقاسم السلطة والثروة، تتصدرها رؤية حكومة تأسيس.

كما أن الشركات الأجنبية العاملة في قطاع النفط تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد يُحتم عليها الدخول في ترتيبات آمنة مع القوة المسيطرة على الأرض، ما يعيد تشكيل البيئة الاقتصادية والقانونية للاستثمار.

إن صعود قوات الدعم السريع أمنياً وسياسياً واقتصادياً يمثّل خلاصة هذا التحول الكبير، ويجعل أي محاولة من الجيش لتدمير المنشآت النفطية عملاً يواجه بردّ صارم، خاصة بعد أن ترك وراءه عتاداً عسكرياً مهماً يعزز من قدرات خصمه.

إن السيطرة على حقول النفط ليست مجرد تقدم ميداني، بل هي إعلان عن ولادة معادلة جديدة في السودان، قد تعيد رسم مستقبل الدولة لعقود قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!