رأي

🔴 تحرير هجليج… وبابنوسة: لحظة كشف وعي داخل الجيش وإعادة تشكيل المشهد السوداني

يعقوب التجاني ابراهيم المحامي

 

يعقوب التجاني إبراهيم المحامي 

مثّل تحرير هجليج وتفكك اللواء 99 وانسحابه من المنطقة لحظة مفصلية في مسار الحرب السودانية، ليس فقط من حيث أهميتها الاقتصادية بوصفها أحد أكبر حقول النفط في البلاد، بل من حيث دلالاتها العميقة داخل المؤسسة العسكرية ذاتها. فالأحداث التي سبقت هذا التطور، وعلى رأسها ما جرى في بابنوسة، كشفت عن تحولات واضحة في وعي عدد واسع من الضباط والجنود الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة سلسلة من الوعود السياسية والشعارات غير الواقعية، والتي كانت سبباً في خسائر بشرية فادحة ودمار كبير كان يمكن تجنبه.

لقد كشفت الانهيارات المتتالية في الخطوط الدفاعية عن أزمة ثقة عميقة يعيشها الجنود تجاه الخطاب الذي ظلت تروّج له الجهات السياسية المسيطرة على القرار العسكري. فالكثير من الضباط الذين دفعوا بأبنائهم إلى  القتال اكتشفوا أن من يصنع القرارات ويشعل الخطاب التعبوي يعيش بعيداً عن الخطر، وأن الأثمان الحقيقية تُدفع داخل المعسكرات وعلى خطوط النار، لا في الخطابات ولا في المنصات الإعلامية.

ومنذ بداية مبادرات جنيف والمنامة وجدة والرباعية، بدا واضحاً أن هناك اتجاهاً متصاعداً داخل الجيش يدرك ضرورة إيجاد مخرج سياسي يحقن دماء السودانيين، بينما ظل الخطاب الرسمي المعارض لأي تسوية يعبر عن رؤية ضيقة، ترى في استمرار الحرب وسيلة لحماية امتيازات سياسية أكثر من كونها استراتيجية وطنية.

في المقابل، أظهرت بعض قيادات المجتمع المدني والإدارة الأهلية قدراً كبيراً من الحكمة عندما نادت بفتح مسارات آمنة للجنود، في محاولة لوقف نزيف الدم. وقد أثبتت النماذج التي استجابت لهذا النداء أن الحلول السلمية ليست فقط ممكنة، بل هي الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من الدولة السودانية.

إن ما حدث في هجليج لا يمكن قراءته معزولاً عن السياق الأوسع. فقد كشف عن حاجة السودان إلى رؤية جديدة تعيد تعريف دور القوات النظامية كجزء من مشروع الدولة، لا كأدوات لصراع سياسي. كما أكد أن الحل النهائي لا يكون بالخطاب التعبوي أو التجييش الإعلامي، وإنما بإعادة بناء الثقة بين المقاتلين والقيادات السياسية، وفتح مسار جاد نحو دولة القانون والعدالة والمساواة.

لقد آن الأوان لوقفة وطنية شاملة تقرأ الدرس كما هو: الحرب لا يمكن أن تبني دولة، وأن وعي الجنود وتحولاتهم ليست مؤشراً على الانهيار، بل ربما تكون البذرة الأولى لسلام جديد تحتاجه البلاد بشدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!