
د. مجدي شريف
يمثل مفهوم انكسار الجيوش أحد أكثر المفاهيم حساسية في علم الحرب؛ فالجيوش لا تنهزم فقط عندما تُهزم في الميدان، بل تنهزم قبل ذلك عندما تفقد رؤيتها، وتتآكل عقيدتها، وتتحول من مؤسسة مهنية إلى ذراع سياسية تخدم حزبًا أو أيديولوجيا. ومن وحي الحرب العبثية التي اندلعت في أبريل، يتضح أن ما شهده الجيش السوداني لا يمكن أن يُقرأ إلا باعتباره سلسلة من الانهيارات المتتابعة التي اختبرت صبر الشعب وثقته، وأعادت طرح أسئلة كبرى حول طبيعة المؤسسة العسكرية ودورها الحقيقي في حماية الوطن والمواطن.
لقد جاءت الانسحابات المتسارعة من مدنٍ مثل ود مدني و سنجة ومواقع أخرى في الجزيرة والنيل الأزرق بوصفها حلقات متشابهة في سلسلة طويلة من الارتباك الاستراتيجي، وصولًا إلى ما حدث في الفاشر و بابنوسة و هجليج أخيرًا. هذه الانسحابات لم تكن مجرد مناورة تكتيكية أو إعادة تموضع محسوب كما تدّعي البيانات الرسمية؛ بل كانت انسحابات غير مدروسة، جرت دون خطط مسبقة، ودون تقدير لأمن المدنيين، ودون أي التزام بقواعد العقيدة العسكرية التي تُعد حماية السكان جزءًا أصيلًا منها، وليست إضافة اختيارية.
العامل المشترك في كل هذه العمليات هو أن الجيش، وهو ينسحب، كان يترك المدن مكشوفة، ويتخلى عن مسؤولياته تجاه المدنيين، فيتسرب الرعب إلى البيوت وتنهار البنى الأمنية والاجتماعية في ساعات معدودة. هذا السلوك لا يشير فقط إلى ضعف في القيادة والسيطرة، بل يكشف عن هشاشة عميقة في تكوين الجيش نفسه، وهو جيش خضع لعقود طويلة لهيمنة فكر الإخوان المسلمين، ففقد طبيعته المهنية، وتعرضت عقيدته القتالية للتشويه حتى أصبح يقاتل من أجل بقاء النظام لا من أجل بقاء الوطن.
وإذا نظرنا إلى التاريخ العسكري، نجد أمثلة عديدة لانسحابات نفذتها جيوش محترفة استطاعت من خلالها الحفاظ على سلامة المدنيين والأصول الحيوية. فقد نفذ الجيش الفرنسي، خلال الحرب العالمية الثانية، انسحاب دونكيرك الشهير محققًا أكبر عملية إجلاء منضبطة في تاريخ الحروب الحديثة، رغم ضغط القوة الألمانية الساحقة. وفي حرب تحرير الكويت، انسحبت القوات العراقية من بعض المواقع بطريقة منسقة قللت الخسائر بين السكان. حتى في الحروب الأهلية، كما في كولومبيا والبلقان، اتبعت بعض القوات انسحابات تكتيكية تضمن استمرار النظام المدني وعدم ترك المدن لمصير مجهول. هذه الأمثلة تبرز الفارق الجوهري بين الانسحاب المنضبط الذي يُعد جزءًا من فنون الحرب، والانسحاب العشوائي الذي يكون عنوانًا للانهيار والفوضى.
في مقابل ذلك، كانت الانسحابات السودانية أشبه بترك المدن في الفراغ، دون ترتيب، ودون قيادات ميدانية تدير اللحظة الحرجة، ودون أي مراعاة لسلامة الذين يفترض أن الجيش خرج من أجل حمايتهم. هذا السلوك المتهور أدى إلى تصاعد الغضب الشعبي، وبدأ السودانيون يفقدون الثقة في قدرة الجيش على أداء وظيفته الطبيعية. ولعل أكثر المؤشرات وضوحًا على هذا التراجع ما حدث مؤخرًا في جنوب كردفان، حين طالبت مجموعات واسعة من المواطنين في الدلنج و كادوقلي بأن تُسلّم الحاميات العسكرية مواقعها إلى حكومة “تأسيس” ممثلة في الحركة الشعبية دون قتال، حفاظًا على أرواح السكان، وتجنبًا لسيناريو الانهيار الذي تكرر في مدن أخرى.
هذا الحدث ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو تحول في الوعي العام، إذ لم يعد الجيش يُنظر إليه باعتباره حامي البلاد، بل كقوة غير منضبطة قد تجلب الدمار للمدن أكثر مما تجلب الحماية. إن فقدان الجيش لثقة مواطنيه يعني أن العقد الوطني الذي تَشكّل حول فكرة “الجيش الواحد” قد بدأ يتفكك، وأن السودان أصبح أمام لحظة فارقة قد تعيد رسم خريطته الأمنية والسياسية لسنوات طويلة قادمة.
من المنظور العسكري البحت، لا تنهار الجيوش فقط لأنها تُهزم، بل لأنها تخسر الاتصال بقيمها الأولى. والجيوش التي تتورط في السياسة، وتخضع لعقائد حزبية، وتستبدل المهنية بالولاء، تصبح أكثر عرضة للانكسار من مواجهة العدو. هذا ما حدث ويحدث في السودان اليوم. جيشٌ تراجع عن التزامه تجاه مدنه، وترك مواطنيه في عين العاصفة، وتخلى عن قواعد الانسحاب المنظم التي تُعد جزءًا من شرف الجندية.
إن انهيارات جيش الإخوان ليست مجرد وقائع عسكرية، بل هي رسالة إنذار تعلن فشل مشروع استمر عقودًا يحاول تحويل الجيش إلى أداة أيديولوجية. وما لم يُبنَ الجيش من جديد على أسس مهنية صارمة، وما لم تُفصل السياسة عن الثكنات فصلًا نهائيًا، وما لم تُستعاد ثقة الشعب في أن الجندي يقاتل من أجل الوطن لا من أجل جماعة؛ فإن السودان سيظل يعيش داخل دائرة الانهيار، مهما تغيرت الجبهات أو تبدلت المعارك.




