
حنان عبد الرحمن عبد الخير
منذ اندلاع الصراع في غرب دارفور، وتحديدًا في مدينة الجنينة عام 2003، وحتى يومنا هذا، كانت المرأة هي الوجه الأكثر صبرًا، والأكثر تحمّلًا، والأقل إنصافًا. لم تكن مجرد شاهدة على المأساة، بل كانت جزءًا منها، تحملت أعباء الحرب وآلامها، ودفعت أثمانًا باهظة لم تخترها.
كانت أم الشهيد التي ودّعت فلذة كبدها وهي تخفي دموعها خلف كلمات الصبر والإيمان، تؤمن أن الوطن يستحق التضحية، لكنها ما زالت تنتظر من يواسي قلبها، أو يعترف بما قدمته من أجل وطنها.
وكانت زوجة الشهيد التي فقدت شريك حياتها، فتحولت من زوجة تستند إلى سندها إلى امرأة تحمل وحدها مسؤولية الأسرة والأبناء، تواجه قسوة الحياة بكرامة، بينما بقيت تنتظر الإنصاف والرعاية والتقدير.
وكانت أخت الشهيد التي فقدت الأخ والسند، وما زالت تحمل ذكراه في قلبها، تتذكر أحلامًا لم تكتمل، ومستقبلًا سرقته الحرب، دون أن تجد حتى كلمة عزاء توازي حجم الفقد.
ولم تقتصر معاناة المرأة في الجنينة على فقد الأحبة، بل امتدت إلى النزوح، والفقر، والجوع، وانعدام الأمن، وفقدان التعليم والرعاية الصحية، وتحمل مسؤولية الأسرة في أصعب الظروف. كانت الأم والمعلمة والممرضة والمزارعة، وكانت اليد التي تبني رغم أن الحرب لا تكف عن الهدم.
ورغم كل هذه التضحيات، لم تجد كثير من نساء غرب دارفور حقهن في التكريم أو الاعتراف. لم ينلن ما يستحققنه من رعاية أو دعم، ولم يسمعن حتى كلمة شكر تليق بما قدمنه من تضحيات فداءً للوطن. وكأن صمودهن أصبح أمرًا مسلمًا به، لا يستحق الالتفات إليه.
إن تكريم المرأة لا يكون بالشعارات، بل بردّ الحقوق، وتوفير الحياة الكريمة، والاهتمام بأسر الشهداء، والاستماع إلى أصوات النساء اللاتي حملن أوجاع الوطن على أكتافهن سنوات طويلة. فالمرأة التي صبرت، وضحّت، وربّت، وداوت الجراح، تستحق أن تكون في مقدمة من يُكرَّمون، لا في آخر صفوف المنسيين.
إن تاريخ غرب دارفور لن يكتمل إلا إذا كُتبت فيه أسماء النساء اللاتي صنعن الصمود في أصعب الظروف. فهن لسن مجرد أمهات وزوجات وأخوات للشهداء، بل شريكات في التضحية، وحاملات لرسالة الصبر، وصانعات للأمل رغم الألم.
رحم الله الشهداء جميعًا، وجبر الله خواطر أمهاتهم وزوجاتهم وأخواتهم، وحفظ كل امرأة حملت همّ الوطن بصمت، وما زالت تؤمن بأن العدالة والإنصاف سيأتيان يومًا، مهما طال الانتظار.



