
محمد تاج الدين الحلو
منذ اندلاع الحرب، ظل القائد محمد حمدان دقلو يطرح السلام باعتباره الخيار الوحيد القادر على إنقاذ السودان من الانهيار. لم يكن ذلك مجرد خطاب سياسي، بل تُرجم عمليًا عبر مشاركة وفد التفاوض في كل المبادرات الإقليمية والدولية، من جدة إلى المنامة، حيث وقع الفريق شمس الدين الكباشي على الاتفاق قبل أن يتراجع عنه، ثم جنيف والولايات المتحدة. وفي كل محطة، كان الهدف واحدًا: إيقاف الحرب وفتح الطريق أمام حل سياسي شامل.
كما مضى التنسيق مع القوى المدنية وصولًا إلى توقيع إعلان المبادئ، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن مستقبل السودان لا يُبنى بالبندقية، وإنما بإرادة سياسية تؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تتسع لجميع السودانيين.
في المقابل، ظل الفريق عبد الفتاح البرهان أسيرًا لقرار الحركة الإسلامية، التي لم تر في هذه الحرب سوى فرصة للعودة إلى السلطة، ولو كان الثمن تدمير السودان وتشريد شعبه. وكلما اقتربت فرص السلام، ارتفعت أصوات دعاة الحرب، وتعطلت الاتفاقات، وتبخرت المبادرات، ليبقى المواطن السوداني وحده من يدفع فاتورة الدم والدمار.
ولم يتوقف أثر هذا النهج عند الداخل، بل امتد إلى السياسة الخارجية، حيث أصبحت مواقف السودان مرهونة بحسابات أيديولوجية ضيقة، بعيدًا عن مصالح الدولة والشعب. فبدلًا من انتهاج سياسة متوازنة تحفظ علاقات السودان الإقليمية والدولية، اتجهت حكومة بورتسودان إلى خيارات مثيرة للجدل، عززها الحضور الإيراني المتزايد وظهور السفير الإيراني إلى جانب مسؤولين حكوميين في مناسبات رسمية، في مشهد يعيد إلى الأذهان سنوات العزلة التي دفع السودان ثمنها غاليًا.
لقد ذاق السودانيون مرارة التصنيف ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، وعرفوا معنى العقوبات والعزلة والانهيار الاقتصادي. ولم يكن الخروج من تلك القائمة إنجازًا عابرًا، بل ثمرة جهود حكومة الثورة بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك، وبدعم من المجتمع الدولي والدول الصديقة، لإعادة السودان إلى محيطه الطبيعي.
وفي الميدان، ظل القائد محمد حمدان دقلو، بحسب هذا الطرح، يوجه قواته بإعطاء الأولوية لحماية المدنيين، وكثيرًا ما تدخل لإيقاف تحركات عسكرية أو إصدار أوامر بالانسحاب من مواقع عدة، تجنبًا لمزيد من الخسائر وسط المواطنين، وهو ما يؤكد أن القرار السياسي ظل منحازًا، وفق هذا الرأي، إلى تقليل معاناة السودانيين لا إلى توسيع رقعة الحرب.
أما التطورات الأخيرة في شمال كردفان، فإنها تمثل مرحلة جديدة في مسار العمليات العسكرية، خاصة بعد منح القوات على الأرض حرية أكبر في التحرك. وإذا استمرت القيادة العسكرية في بورتسودان في إغلاق أبواب الحل السياسي، فإنها تتحمل المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد قادم، قد يمتد إلى أم درمان ومناطق أخرى. فالمعروف أن قوات الدعم السريع تمتلك قدرة عالية على الحركة السريعة والمناورة، وهي عناصر ظلت تمثل أحد أبرز نقاط قوتها في الميدان.
إن السودان اليوم يقف أمام خيارين لا ثالث لهما: مشروع يراهن على استمرار الحرب خدمةً لأجندة أيديولوجية ضيقة، ومشروع يسعى إلى إيقاف النزيف واستعادة الدولة على أسس جديدة. ويرى أنصار تحالف السودان التأسيسي أن الإرادة السياسية، إلى جانب عزيمة قواتهم، كفيلة باقتلاع جذور التطرف وإنهاء احتكار السلطة، وبناء سودان يتساوى فيه جميع المواطنين، لا سودان تحكمه جماعة أو أيديولوجيا.
لقد أثبتت هذه الحرب أن المواطن في مناطق سيطرة البرهان أصبح آخر من تُؤخذ مصالحه في الاعتبار. فالأمن يتراجع، والخدمات تنهار، والصحة والتعليم يواجهان أوضاعًا مأساوية، بينما تستمر الدعوات إلى الحرب بلا نهاية. وبينما ينشغل قادة الحرب بحساباتهم السياسية، يبقى المواطن السوداني هو الوقود الحقيقي لمعركة لم يخترها، وهو الذي يدفع ثمنها كل يوم من أمنه ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه .
محمد تاج الدين الحلو




