
سمية النور دهب.. دبلن
لم تكن التظاهرة الجماهيرية التي شهدتها مدينة الفاشر مجرد حدث عابر في سياق مضطرب، بل كانت تعبيرًا صريحًا عن وعيٍ جمعيٍّ آخذٍ في التبلور داخل واحدة من أكثر مدن السودان تضررًا من الحروب وسياسات الإقصاء. خروج الآلاف من المواطنين إلى الشوارع دعمًا لمسار التأسيس وإدانةً لجرائم الحركة الإسلامية، يؤكد أن دارفور لم تعد تقبل أن تكون مجرد ساحة للمعاناة، بل أصبحت فاعلًا أساسيًا في صياغة مستقبل البلاد.
الفاشر، التي ذاقت ويلات الحرب والنزوح وفقدان الأمن، تعرف جيدًا معنى غياب الدولة. لذلك جاء دعمها لمسار التأسيس نابعًا من قناعة عميقة بأن إعادة بناء الدولة من جذورها هو السبيل الوحيد للخروج من دوامة العنف. لم يخرج الناس طلبًا لامتيازات أو بدافع التعبئة اللحظية، بل دفاعًا عن مشروع وطني يَعِدُ بإقامة مؤسسات عادلة، ويضع حدًا لحكم الفوضى والسلاح.
اللافت في هذه التظاهرة أنها لم تكتفِ بتأييد مشروع سياسي، بل حمّلت رسالة أخلاقية واضحة، حين ندّد المتظاهرون بجرائم الحركة الإسلامية وطالبوا المجتمع الدولي بتصنيفها كحركة إرهابية. هذا الموقف يعكس شجاعة سياسية نادرة، ويعبّر عن رغبة صادقة في كسر حلقة الإفلات من العقاب التي ظلّت تحمي الجناة لعقود. فدارفور، التي كانت أول ضحايا هذا المشروع، ترفض اليوم إعادة تدويره تحت أي مسمى.
ما جرى في الفاشر يؤكد أن الوعي الشعبي يتقدم على حساب الخطابات الزائفة. المدينة التي صُوّرت طويلًا كضحية صامتة، تتحدث اليوم بلغة المبادرة والفعل. وهي بذلك ترسل رسالة قوية إلى الداخل مفادها أن الشارع حاضر ولن يسمح بعودة قوى الخراب، وإلى الخارج بأن صوت الضحايا لا يمكن تجاهله بعد الآن.
إن انتفاضة الفاشر ليست نهاية الطريق، بل بداية لمسار طويل يتطلب حماية وإسنادًا. لكنها، بلا شك، لحظة فارقة تُعيد الاعتبار لدور الهامش، وتؤكد أن بناء السودان الجديد لن يتم من فوق، بل من الشارع، ومن مدن عانت كثيرًا وقررت أخيرًا أن تقول كلمتها.




