انسحاب إريتريا من الإيقاد يربك معادلات القرن الأفريقي ويعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية
التنوير .. متابعات

التنوير … متابعات
أثار قرار إريتريا الانسحاب من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (الإيقاد) موجة واسعة من الجدل الإقليمي والدولي، واعتُبر خطوة مفصلية تعكس تحولات عميقة في توجهات السياسة الخارجية لأسمرة، وتلقي بظلالها على مستقبل التنسيق الأمني والسياسي في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة.
وفي تقرير تحليلي حديث صادر عن المركز الأفريقي للتنمية المحلية، أوضح خبراء المركز أن الانسحاب لا يمكن قراءته كحدث معزول، بل يأتي امتداداً لسجل طويل من العلاقات المتوترة بين إريتريا والمنظمات الإقليمية متعددة الأطراف، وعلى رأسها الإيقاد، التي طالما نظرت إليها أسمرة باعتبارها أطرًا تحد من سيادتها وتفرض عليها التزامات سياسية وأمنية لا تتوافق مع نهجها الانعزالي.
وأشار التقرير إلى أن الدوافع الكامنة وراء القرار تتقاطع فيها عوامل سياسية وأمنية وإقليمية، أبرزها رغبة القيادة الإريترية في التحرر من الضغوط المرتبطة بالتعاون الأمني الجماعي، واستياؤها من أدوار الوساطة والتقييم السياسي التي تضطلع بها الإيقاد في قضايا داخلية تعتبرها أسمرة شأناً سيادياً خالصاً.
وبحسب التقرير، فإن البعد الأمني يشكل عاملاً حاسماً في القرار، إذ تفضل إريتريا في المرحلة الراهنة التركيز على تأمين حدودها مع إثيوبيا والسودان عبر ترتيبات ثنائية مباشرة، بعيداً عن الأطر المؤسسية الإقليمية، وهو ما يقلل – من وجهة نظرها – من الجدوى العملية لعضويتها في الإيقاد.
وحذّر المركز الأفريقي للتنمية المحلية من أن انسحاب إريتريا قد يؤدي إلى إضعاف آليات التنسيق الأمني في القرن الأفريقي، خاصة في ملفات حساسة مثل مكافحة التهريب والجريمة المنظمة، وإدارة أزمات اللاجئين والنازحين، فضلاً عن قضايا الأمن البحري في البحر الأحمر والمفاوضات المرتبطة بالأمن المائي.
وعلى المستوى الإقليمي، توقع التقرير ردود فعل متباينة من دول الإيقاد، حيث قد تنظر بعض العواصم إلى الانسحاب باعتباره تخفيفاً لعبء الخلافات داخل المنظمة، فيما ستسعى دول أخرى إلى الإبقاء على قنوات تواصل ثنائية مع أسمرة لمنع انزلاق القرار نحو مزيد من التوتر أو العزلة.
أما دولياً، فيرجح التقرير أن تتعامل القوى الغربية والجهات المانحة بحذر مع الخطوة، معتبرة إياها تراجعاً إضافياً عن مسارات الانخراط الإقليمي والدولي، ما قد ينعكس سلباً على فرص التعاون والدعم، ويقلص من استخدام الإيقاد كمنصة للتواصل مع إريتريا.
واستشرف التقرير سيناريوهين محتملين لمستقبل الدور الإريتري: الأول يتمثل في تعميق العزلة الإقليمية إذا لم تُعوَّض عضوية الإيقاد بشبكات تحالفات فعالة، والثاني يقوم على إعادة تموضع استراتيجي عبر بناء شراكات انتقائية مع قوى إقليمية ودولية خارج إطار المنظمة.
وخلص المركز الأفريقي للتنمية المحلية إلى أن انسحاب إريتريا من الإيقاد، سواء كان خطوة تكتيكية أو تعبيراً عن انكفاء متجدد، سيترك أثراً مباشراً على توازنات القرن الأفريقي، ويضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات، في وقت لا تزال فيه التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية في ذروتها.




