ثورة ديسمبر بين مخالب الهوس الديني… كيف أُجهض الحلم وصُنعت الحرب؟
عبد الرحمن أبو رندة..بنسلفانيا

عبد الرحمن أبو رندة .. بنسلفانيا
بعد أن أسقطت ثورة ديسمبر رأس النظام، بدا واضحاً أن المعركة الحقيقية لم تكن مع شخص عمر البشير، بل مع منظومة كاملة ظلّت تتحكم في الدولة لعقود. انقلاب اللجنة الأمنية للنظام البائد لم يكن سوى تعبير عن خوف هذه المنظومة من اكتمال مشروع الثورة، لذلك سارعت قوى الإسلام السياسي، وقوى الردة المرتبطة بها، إلى قطع الطريق أمام تحقيق شعارات الحرية والسلام والعدالة.
منذ اللحظة الأولى، لعب الإسلامويون دوراً مركزياً في تخريب المرحلة الانتقالية، عبر وجودهم العميق داخل مؤسسات الدولة، والخدمة المدنية، والأجهزة النظامية، وشبكات الاقتصاد الطفيلي. لم يكن هدفهم الإصلاح أو الاستقرار، بل إرباك المشهد، وتعطيل تفكيك بنية التمكين، وإعادة إنتاج نفوذهم بأدوات جديدة.
اتخذ هذا المخطط أشكالاً متعددة، بدءاً من مسيرات “الزحف الأخضر” واعتصام “الموز”، وصولاً إلى الحملات المنظمة ضد قوى الحرية والتغيير، والتشكيك في تمثيلها للشعب، والدعوة لإشراك الإسلامويين في أي تسوية سياسية. كان الخطاب واضحاً: لا ثورة بلا عودة الكيزان، ولا انتقال ديمقراطي دون إعادة تدوير النظام القديم.
في هذا السياق، استُهدفت لجنة تفكيك النظام السابق بضراوة، لأنها مثّلت الخطر الحقيقي على مصالح الإسلامويين. ترافقت محاولات حلّها مع الدعوات للانتخابات المبكرة، والتهديد المستمر بالانقلاب، والترويج لفكرة أن استبعاد الإسلامويين سيقود إلى الفوضى. كلها أدوات ضغط هدفت إلى فرض “تسوية” تُبقي جوهر النظام السابق وسياساته الاقتصادية والأمنية.
ولم يكن التحريض الديني بعيداً عن هذا المشهد. لعب دعاة الهوس الديني، وعلى رأسهم عبد الحي يوسف، دوراً تخريبياً عبر مواكب ما سُمّي بـ“نصرة الشريعة”. بعد ثلاثين عاماً من الحكم باسم الدين، امتلأت بالفساد والقمع والحروب، بدا هذا الخطاب مجرد محاولة يائسة لتعبئة الشارع ضد الثورة، وتشويه اعتصام القيادة العامة تمهيداً لضربه.
هذا التحريض الإعلامي والسياسي أسهم بصورة مباشرة في تهيئة الأجواء لمجزرة فض الاعتصام في 3 يونيو 2019، الجريمة التي ستظل جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الوطنية. ورغم ذلك، لم تنكسر الثورة، وواصل الشارع نضاله عبر المليونيات والوقفات الاحتجاجية، مطالباً بالقصاص، وحل المؤتمر الوطني، واستكمال مهام الانتقال، وبناء دولة مدنية ديمقراطية.
في خضم هذا الصراع، أدركت قوى الردة أن هناك عقبة رئيسية أمام مخططها لإجهاض الثورة والعودة إلى السلطة: قوات الدعم السريع. فقد وقفت هذه القوات، في محطات مفصلية، إلى جانب الثورة؛ انحازت لها قبل سقوط البشير، ورفضت قمع المتظاهرين، وتراجعت عن انقلاب 25 أكتوبر في يومه الثاني، ووقّعت على الاتفاق الإطاري، وأعلنت التزامها بخيار السلام.
هذا الموقف جعل الدعم السريع هدفاً مباشراً لمخطط الإسلامويين. لم تكن الحرب التي اشتعلت لاحقاً سوى محاولة محسوبة لتصفية هذه القوة، وإزاحتها من الطريق، حتى يتسنى لجماعات الهوس الديني الانقضاض الكامل على الثورة، وإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء. لقد رأت قوى الردة أن القضاء على الدعم السريع هو المدخل للسيطرة المطلقة، ولو كان الثمن دماء وأشلاء الشعب السوداني.
إلى جانب ذلك، واصل الإسلامويون تخريب الاقتصاد عبر السيطرة على البنوك وقطاع الأعمال، وتهريب الذهب والوقود والدقيق، وخلق الأزمات المعيشية، ورفع الدولار، وإفشال الموسم الزراعي، بهدف نشر الإحباط واليأس، ودفع الناس إلى القبول بعودتهم كـ“منقذين”.
إن ما جرى ويجري يؤكد حقيقة واحدة: ثورة ديسمبر أُجهضت بفعل مشروع منظم قادته جماعات الهوس الديني وقوى الردة، واستخدمت فيه كل الأدوات، من الدين إلى الاقتصاد إلى الحرب. ومع ذلك، ستبقى الثورة حيّة في وجدان الشعب، لأن من أشعلها من أجل الحياة لا يمكن أن يهزمهم تجار الموت، مهما طال الزمن.




