
فاطمة لقاوة
لم يكن رفض سلطة بورتسودان إعتماد منطقة أبيي دائرة أنتخابية في دولة جنوب السودان مفاجئاً، بقدر ما كان إمتداداً لنهج سياسي قائم على توظيف القضايا الوطنية في معارك البقاء. فالخطاب الذي يُرفع اليوم تحت لافتة الدفاع عن السيادة يأتي في وقت تواجه فيه هذه السلطة تحديات عسكرية وسياسية عميقة، ما يجعل قضية أبيي بالنسبة لها ورقة سياسية أكثر من كونها قضية وطنية تُدار برؤية مسؤولة،وتزداد المفارقة وضوحاً عندما يُستحضر تاريخ التعامل الرسمي مع ملف أبيي،فقد ورثت سلطة بورتسودان إرثاً من نظام المؤتمر الوطني، الذي إرتبط إسمه بإتفاقيات وسياسات أسهمت في تعقيد قضية المنطقة وتدويلها، بينما ظل سكان أبيي، وفي مقدمتهم المسيرية ودينكا نقوك، يدفعون ثمن الصراع السياسي والعسكري.
خلال تلك السنوات، أُستُخدمت القبائل وقوداً للحروب والإستقطاب الحاد، فيما تراجعت فرص التنمية والإستقرار.
المواقف الحالية اهصابة بورتسودان تكشف تناقضاً يصعب تجاهله، فالخطوات التي تُوصف اليوم بأنها إعتداء على السيادة، سبق أن قوبلت في مراحل سابقة بترحيب وإشادات رسمية من القيادة نفسها -(عبد البرهان ،بارك لسلفاكير ميار ديت،تشكيل حكومته السابقة التي اعلن فيها سلفاكير حاكم لأبيي من قبِبل حكومة جنوب السودان،وقد وصف البرهان الخطوة بالشجاعة في ذاك الوقت)- عندما كانت الحسابات السياسية مختلفة.
التبدل في خطاب عصابة البرهان اليوم،يوضح أن الموقف لا تحكمه مبادئ ثابتة، بل توازنات ومصالح آنية.
الواقع على الأرض يكشف جانباً آخر من الأزمة، فطوال سنوات الوصاية الأممية، ظلت الإدارة الفعلية في أبيي تسير وفق ترتيبات معقدة، بينما إكتفت الحكومات السودانية المتعاقبة بهياكل إدارية لم تنجح في حماية حقوق المواطنين أو إيجاد تسوية مستدامة للنزاع.
أثبت المجتمع المحلي في هذة الظروف المعقدة أن التعايش ممكن عندما يغيب الإستثمار السياسي في الصراع، فقد شكّل التعاون بين قيادات المسيرية ودينكا نقوك في إدارة سوق النعام “أميت” نموذجاً عملياً يؤكد أن المصالح المشتركة والحوار الأهلي أكثر قدرة على صناعة الإستقرار من خطابات التعبئة السياسية.
في ظل التحولات الجارية، لم تعد البيانات الصادرة من بورتسودان قادرة وحدها على تغيير موازين الواقع أو فرض معادلات جديدة في أبيي،فالقضية اليوم تتطلب معالجة سياسية شاملة تستند إلى الحوار، وإحترام خصوصية المنطقة، وضمان حقوق جميع مكوناتها، بعيداً عن تحويلها إلى أداة للمزايدات.
مستقبل أبيي لن تصنعه الشعارات ولا الحملات الإعلامية، وإنما تصنعه الإرادة السياسية الصادقة، والتوافق بين أهل المنطقة، والإلتزام بحلول تُقدّم الإنسان على الحسابات الضيقة،أما استمرار إستخدام أبيي كورقة في الصراع السوداني، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة وتعميق معاناة سكانها، بينما تبقى الأرض وأهلها أكبر من أن يكونوا وقوداً لمعارك السياسة.
ولنا عودة بإذن الله
الثلاثاء،١٤يوليو/٢٠٢٦م




