رأي

عزل نساء المركز عن ثقافة الهامش: دارفور ليست زينة احتفالات

إيمان بدرالدين

 

 إيمان بدر الدين

في حادثة تكشف عمق الأزمة الثقافية والسياسية في السودان، جرى الترويج لاحتفال أقامته منظمة نسوية سودانية–أمريكية بالشراكة مع جهة سياسية تُسمي نفسها «سادات»، تحت لافتة إحياء ذكرى أكتوبر. غير أن أكتوبر، بكل ما يحمله من معنى ثوري جامع، لم يحضر إلا على استحياء عبر أغنيتين، بينما انصرف البرنامج إلى فقرات تبرعات لضحايا حمى الضنك ونازحي الفاشر، وهو عمل إنساني محمود، لكن توظيفه السياسي كان فاضحاً.

افتتح الحفل بأغانٍ وطنية وكلمة للجهة السياسية، ثم اختُتم بأغنية لدارفور والفاشر أدّتها الفنانة آمال النور. هنا تحديداً انفجرت التناقضات. فبمجرد مشاركة نساء محسوبات على «تأسيس»، تعالت أصوات نشاز، وصرخت إحدى النساء بهستيريا غريبة مطالبة بمنع الغناء والرقص على أغنية دارفور، بزعم أن «الجنجويد وداعمي تأسيس» لا يحق لهم ذلك. في لحظة واحدة، كُشف وجه عنصري يُقصي نساءً بسبب خياراتهن السياسية، ويمنح صكوك وطنية على أساس الولاء لا المواطنة.

هذا السلوك لا يعزل دارفور وثقافتها فحسب، بل يعزل نساء المركز عن فهم الهامش وتاريخه، ويحوّل تراثه إلى زينة احتفالات تُستدعى عند الحاجة ثم تُقصى عند أول اختلاف. والأدهى أن من وزّعوا الاتهامات نسوا التاريخ القريب: تفاوضوا مع الدعم السريع ضمن المكوّن العسكري إبّان الثورة، وهتفوا يوماً «حميدتي الضكران… الخوف الكيزان»، ثم تبرأوا من ذاكرتهم حين تغيّرت موازين السياسة.

إن خطورة ما حدث لا تكمن في حادثة معزولة، بل في نمطٍ متكرر لاستغلال منظمات العمل العام، لا سيما النسوية، لتمرير أجندات حزبية ضيقة، وقمع التنوع داخلها باسم الوطنية. من حق النساء أن يختلفن سياسياً، ومن واجب المنظمات أن تحمي هذا الحق لا أن تصادره.

ستظل مراقبتنا اللصيقة لهذه المنظمات واجباً أخلاقياً لكشف أي توظيف سياسي أو إقصاء ثقافي. فالطريق إلى دولة السلام والوحدة لا يُبنى بإلغاء الآخر، بل باحترام حقوق الإنسان، وعلى رأسها حرية التعبير والانتماء، والاعتراف بأن دارفور ليست موضوعاً للشفقة ولا مسرحاً للانتقاء، بل جزء أصيل من وطنٍ يسع الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!