رأي

من قلب إفريقيا..

دكتور خالد تارس

 

د.خالد تارس

لقاء رئيس حكومة تأسيس القائد محمد حمدان بالجالية السودانية والزعيم موسفيني خطف الانظار وشكل لحظة اعلان القطيعة الفكرية مع سردية كبّلت البلاد لعقود. حيث اسقط شعار: أنا أفريقي أنا سوداني الذي تتبناه حكومة تأسيس كل النخب الأيديولوجية التي ألبست السودان قناع العروبة السياسية والإسلام (الحركي) الذي صدم الجغرافيا بالتاريخ وأشعل الحروب.!

ولم يكن السودان يوماً من الايام دولة هامشية في إفريقيا، بل كان قلبها الجغرافي ومفصلها الاستراتيجي، لكن سياسات الهوية الآحادية التي ألبستها النخب للدولة اختزلت كل التنوع السوداني وأقصت الثقافات، ودفعت البلاد إلى حروب انتهت بفصل الجنوب، وهاهي تخطط اليوم لانفصال آخر، وفي هذه اللحظة يجب الاعتراف بأن مشروع الدولة (الدينية) كان أحد أسباب الانقسام، وتبقى الإدانة السياسية لتجربة حكم رفعت الشريعة شعاراً واستخدمتها أداة للهيمنة والقمع. وما لم يُقل سابقاً للسودانيين يجب ان يُقال اليوم بوضوح، حيث لا وحدة بلا علمانية، ولا استقرار بلا فيدرالية تعترف بالتعدد وتوزيع السلطة والثروة بعدالة.

يبدو ان اطروحة القائد حمدان التي دشنها في لقاء البارحه مع السودانيين في اوغندا تتجاوز مسألة الهوية إلى تفكيك بنية السلطة. وبالتالي حديثه عن محاولة الحركة الإسلامية توظيف الدعم السريع لقمع الثورة في ديسمبر، ثم الانقلاب على الدعم بمجرد انه رفض القمع، حقيقة تكشف عقدة تنظيم أيديولوجي أراد احتكار الدولة عبر البندقية، وحين تعذر ذلك أشعل حرباً لحسم المعادلة، وتصبح الاشارة إلى رفض الإسلامويين والبرهان للاتفاق الإطاري المتعلق بدمج القوات، ثم اضطرارهم لاحقاً للقبول بفكرة إعادة تأسيس جيش جديد عبر الآلية الرباعية هي تأكيد أن مشروع الجيش (العقائدي) وصل إلى طريق مسدود.!

لكن أهم ما في هذا اللقاء هو محور التحول الجيوسياسي في البوصلة الاستراتيجية وإعادة تموضع السودان في العُمق الإفريقي باعتبارها ضرورة وجودية لا خياراً تكتيكياً، ويجب ان يفهم ان إفريقيا اليوم هي فضاء سياسي واقتصادي وأمني متصاعد لا منطقة مغلقه، وان وجود تحالفات متينة مع دول الجوار، كما ظهر في اجتماع تأسيس مع الحكومة الأوغندية يعكس إدراكاً عظيماً بأن الأمن السوداني يبدأ من الإقليم، وأن الشرعية تُبنى عبر الحاضنة (الإفريقية).!

وفي هذا السياق ارى من الضرورة ان يكتسب دعم حكومة تأسيس لمشروع الرئيس ترامب بعداً عملياً كما اوضح الرئيس حمدان، لكن يبقى جوهر الخطة هو تحييد الإسلامويين وإنهاء أي دور لجماعة الإخوان المسلمين وعناصر النظام السابق في مستقبل السودان كما اعلن المستشار مسعد بولس في تصريحات مختلفة، هذا الاعلان اظنه رسالة واضحة للمجتمع الدولي والإقليمي بأن السودان الجديد لن يكون منصة للتطرف أو وكراً للأيديولوجيا. وان استئصال (الإرهاب) بات شرطاً لبناء دولة مدنية حديثة.!

ان المعادلة التي تتشكل ملامحها في هذه المرحلة تقوم على هوية أفريقية جامعة، دولة علمانية ديمقراطية، وجيش وطني مهني (غير مؤدلج). هذه الركائز تمثل نقيضاً كاملاً لمشروع الإسلام السياسي الذي حكم بالبندقية وأقصى المخالفين واحتكر تعريف الوطنية.!

السودان اليوم أمام فرصة تاريخية لخلع الطاقية المشوهة التي ألبسته إياها النخب العقائدية، حتى يستعيد صورته الحقيقية كدولة إفريقية متعددة، منفتحة وقادرة على بناء عقد اجتماعي جديد، لكن الصعود إلى هذه التجربة لن يكون سهلاً، والتأسيس لهذه المعادلة لايكمل إلا بتعريف العدو الاستبدادي المؤدلج، وبناء سودان حُر علماني ديمقراطي، هذا التعريف يمثل بداية الخروج من النفق، لان المعركة اليوم هي معركة هوية الدولة. ومن قلب إفريقيا سيختار السودان ذاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!