رأي

من نيالا انطلقت رسالة السودان نحو المستقبل

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب 

لم تكن امتحانات الشهادة السودانية التي انطلقت في السابع من يونيو 2026 حدثاً تعليمياً عادياً يمكن النظر إليه من زاوية الجداول المدرسية وقاعات الامتحانات فقط، بل جاءت بوصفها إعلاناً عملياً عن قدرة المجتمع السوداني على استعادة المبادرة وصناعة الأمل وسط واحدة من أعقد الأزمات التي عرفتها البلاد في تاريخها الحديث.

فعندما جلس أكثر من تسعة آلاف طالب وطالبة في تسعة وسبعين مركزاً موزعة على ولايات دارفور وكردفان، لم يكن المشهد مجرد استحقاق أكاديمي ينتظره الطلاب وأسرهم، وإنما كان اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة والمجتمع على الانتصار لقيمة الحياة في مواجهة سنوات الحرب والدمار والانقطاع.

لقد أثبتت هذه التجربة أن الشعوب لا تقاس فقط بقدرتها على الصمود في ميادين القتال، وإنما بقدرتها على حماية مدارسها ومستقبل أبنائها في أحلك الظروف. فالحروب مهما طالت لا تصنع مستقبلاً، بينما تبقى المدرسة المؤسسة الوحيدة القادرة على تحويل المعاناة إلى معرفة، والأزمات إلى فرص، والناجين من الحرب إلى بناة للسلام.

وتكتسب هذه الامتحانات أهمية استثنائية لأنها جاءت بعد سنوات حُرم خلالها آلاف الطلاب من حقهم الطبيعي في التعليم بسبب النزاع وتعطل المؤسسات وتراجع الخدمات. لذلك فإن انعقادها يمثل استعادة فعلية لواحد من أهم الحقوق الدستورية للمواطن، وهو الحق في التعليم، كما يعكس عودة مؤسسات الخدمة العامة إلى أداء أدوارها الأساسية تجاه المجتمع.

ولعل ما يمنح هذا الحدث بعده الوطني العميق أن نجاحه لم يكن نتيجة جهد جهة واحدة، بل ثمرة تعاون واسع شاركت فيه الإدارات التعليمية والمعلمون والأسر والسلطات المحلية والمجتمعات المختلفة. وهو ما يؤكد أن بناء الدولة لا يتم بالقرارات السياسية وحدها، وإنما بالشراكة المجتمعية والإيمان الجماعي بالمستقبل.

لقد تحولت نيالا في هذا اليوم إلى عاصمة للأمل، ليس لأنها استضافت مركز الإقليم الأوسط فحسب، بل لأنها قدمت نموذجاً عملياً لقدرة المدن السودانية على استعادة دورها الطبيعي كمراكز للعلم والمعرفة والتنمية. كما عكست المراكز المنتشرة في دارفور وكردفان صورة لسودان واسع ومتعدد ومتشبث بحقه في الحياة مهما كانت التحديات.

إن الرسالة الأهم التي حملتها هذه الامتحانات هي أن إعادة بناء الدولة تبدأ من الإنسان. فالمدرسة ليست مجرد مبنى، وإنما هي المصنع الحقيقي للمواطنة والوعي والتنمية والاستقرار. وكل مشروع سياسي أو اقتصادي لا يضع التعليم في مقدمة أولوياته محكوم عليه بالعجز عن صناعة مستقبل مستدام.

ولهذا فإن امتحانات الشهادة السودانية لعام 2026 ستظل أكثر من مجرد مناسبة تعليمية؛ إنها علامة فارقة في مسار استعادة الحياة العامة، ودليل على أن السودان، رغم جراح الحرب، ما يزال قادراً على إنتاج الأمل وصناعة المستقبل. وبينما كان الطلاب يجيبون على أسئلة الامتحان داخل القاعات، كانوا في الحقيقة يكتبون صفحة جديدة في تاريخ وطن يبحث عن السلام عبر المعرفة، وعن النهضة عبر التعليم، وعن الدولة عبر الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!