كبرون وزيرًا للدفاع: رمزية زائفة أم وظيفة استعمارية؟
بين التوظيف الرمزي والسياسات الاستعمارية المقنّعة: قراءة في تعيين كبرون وزيرًا للدفاع


في قلب لحظة سياسية مأزومة، تُعيد فيها قوى السودان القديم إنتاج نفسها عبر حكومة بور سودان، برز تعيين الفريق حسن داؤود كبرون، المنحدر من جبال النوبة، وزيرًا للدفاع، بوصفه تعيينًا مشحونًا بالرمزية والدلالة. لكنه، عند إخضاعه للتفكيك والتحليل التاريخي، لا يبدو إلا استمرارًا لنمط مألوف في سياسات الاستخدام الرمزي والاستيعاب الوظيفي، التي سبق أن مارستها القوى المركزية في السودان منذ الاستقلال، وأُسّست لها نظريًا وعمليًا في عهد الاستعمار الأوروبي من خلال استراتيجية “الحكم غير المباشر” و”التوظيف الإثني المؤقت.”
لا يمكن فصل هذا التعيين عن سياق الصراع البنيوي بين مشروع السودان القديم ومشروع السودان الجديد. فكبرون، بوصفه شخصية عسكرية سوداء من الهامش، لا يمثّل في هذا الموقع – موضوعيًا – صوت الهامش ولا تطلعاته. بل يُوظف ضمن بنية سلطوية تسعى لإعادة إنتاج المركز الإسلاموعروبي بواجهة ملوّنة، في لحظة تقف فيها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال على رأس قوى ثورية حقيقية، تسيطر فعليًا على معظم جبال النوبة، وتطرح بديلًا دستوريًا وتاريخيًا جذريًا.
إن تعيين كبرون لا يمثل انفتاحًا على التنوع، بل إعادة إحياء لسياسات استعمارية عرفناها في نيجيريا والسنغال والهند والجزائر، حيث كان استجلاب رموز من الإثنيات المُهمشة إلى مواقع شكلية في السلطة يُستخدم لخداع الشعوب، قبل أن يتم التخلص من هؤلاء الرموز عندما تنتفي الحاجة إليهم أو يتجاوزون حدود الدور المرسوم لهم. إنها “الواجهة السوداء لحراسة الامتيازات البيضاء” – وهي سياسة استعمارية راسخة، يُعاد تطبيقها اليوم بأدوات محلية.
هذا التعيين إذًا لا يُقرأ إلا باعتباره أداة لمحاولة اختراق الحاضنة الشعبية للحركة الشعبية، والنيل من رمزيتها النضالية في جبال النوبة، عبر زراعة شخصية عسكرية نوباوية في مركز قرار لا يملك فيه سلطة تقريرية. تمامًا كما استُخدم قادة محليون في مستعمرات أفريقيا وآسيا لتمرير مشاريع الاحتلال، ثم تمّت تصفيتهم أو تحييدهم، من سلطان بنين عام 1897، إلى زعماء التمرد الهندي عام 1857، إلى نظار القبائل في السودان في عهد الحكم الثنائي.
من هنا، فإن هذا المقال لا يكتفي بتوصيف التعيين، بل يسعى إلى تحليل بنيته السياسية، وربطه بتاريخ طويل من “الاستعمال التضليلي الرمزي” الذي لم يؤدّ إلا إلى مزيد من الإقصاء والخيبة. كما يناقش مخاطره على مشروع السودان الجديد، ويؤكد أن بناء دولة ديمقراطية، علمانية، لا مركزية، تقوم على العدالة التاريخية، لا يتم عبر رموز خاضعة لمنظومة الامتياز، بل عبر قطيعة معها.
أولًا: التوظيف الرمزي واستمرار منطق السيطرة الاستعمارية – من الحكم غير المباشر إلى استيعاب الهامش لخدمة المركز
إن تعيين الفريق حسن داؤود كبرون وزيرًا للدفاع في ما يُعرف بحكومة بور سودان، لا يمكن فصله عن البنية العميقة للمنظومة المركزية التي طالما استبطنَت منطق السيطرة الاستعمارية، حتى بعد رحيل المستعمر الرسمي. هذا التعيين لا يُقرأ كحدث معزول، بل يندرج ضمن تقليد سياسي راسخ منذ الحقبة الكولونيالية، يتمثل في استدعاء أبناء الهامش وتوظيفهم رمزيًا كواجهة لتثبيت هيمنة المركز، دون إحداث أي اختلال حقيقي في معادلات السلطة.
لقد عبّر اللورد البريطاني فريدريك لوغارد عن هذا المنطق بوضوح حين صاغ في مطلع القرن العشرين سياسة “الحكم غير المباشر”
(Indirect Rule)
في نيجيريا، والتي تقوم على إسناد السلطة الظاهرية لزعامات محلية من الشعوب المستعمَرة، بهدف تقليل كلفة السيطرة المباشرة، وتوفير غطاء محلي لاستمرار الهيمنة الإمبريالية. وقد تجسدت هذه السياسة عمليًا في استخدام شخصيات تقليدية كوسطاء مثل سلطان سوكوتو الذي أُعدم بعد تمرّده عام 1903، أو لات جورو نجاي الذي استُخدم كواجهة للحكم الفرنسي في السنغال، ثم نُفي إلى الغابون عندما بات غير موثوق.
وفي السودان، انتهج الحكم الثنائي البريطاني المصري ذات الآلية، حين استعان بزعماء القبائل وشيوخ الطرق الصوفية لإدارة المجتمع المحلّي باسم الإمبراطورية، قبل أن يُقصيهم تباعًا حين اصطدموا بمصالح المركز، كما في حالة إدريس ود الأرباب، ناظر الكبابيش، الذي نُفي عام 1908 بعد أن فقد وظيفته كوسيط مضمون.
تاريخيًا، هذه الأمثلة تُظهر كيف تُوظَّف رموز من داخل الهامش كوسائل لإدامة السلطة لا لتقويضها. وهو ما يُحذر منه فرانز فانون في معذبو الأرض، حين يصف كيف تُستدعى “الطبقة السوداء البرجوازية الصاعدة” من أجل “تمثيل” شعبها، بينما هي في الحقيقة “تحرس البنية الاستعمارية من داخلها”، وتُستخدم كعازل رمزي بين الجماهير ومراكز القرار!
وهو ما يُعيدنا إلى ما سمّاه أيمي سيزار بـ”الاستعمار الداخلي” – حين تستمر نفس منظومة القهر من خلال نخب محلية ترتدي ثوب التحرر ولكنها تعيد إنتاج بنية التبعية، سواء عن وعي أو عبر القابلية البنيوية التي أشار إليها مالك بن نبي بقوله ماقد يعني: “القابلية للاستعمار لا تسكن الشعوب فقط، بل تنتقل إلى النخب، فتُعاد صياغة البنية الاستعمارية بلغة وطنية”
بل إن القائد الأميركي الأصلي جون تروديل عبّر عن هذا النمط بحدة حين قال: “أسوأ أنواع الاحتلال هو أن تُدرَّب أبناء الأرض على حماية من يحتلها، ثم يُقدَّمون كرموز للسيادة الزائفة”
في هذا السياق، فإن تعيين كبرون لا يخرج عن كونه جزءًا من إستراتيجية ثلاثية الأبعاد:
– تلوين السلطة المركزية بوجوه من الهامش، بهدف التغطية على جوهرها القائم على احتكار العرق والدين والثروة
– محاولة اختراق الحاضنة الثورية لمشروع السودان الجديد، لا سيما في جبال النوبة، عبر توظيف شخصية تنتمي للمنطقة، ولكنها خارج مشروعها السياسي.
– محاولة تفريغ الشعارات الثورية (العلمانية، تقرير المصير، اللامركزية) من مضمونها، عبر تصدير نموذج إدماجي زائف يُدرَج فيه أبناء الهامش في مواقع شكلية لا تمكّنهم من القرار.
وكما يحذر المفكر الأميركي الإفريقي كورنيليوس ويست، فإن هذا النمط هو “سياسة الإدماج دون تمكين”
(Politics of Inclusion Without Power)
حيث تُدرج الأقليات والمهمشون في هياكل السلطة كمجرد زينة، بينما يُقصَون من الفعل الحقيقي، وتُستخدم هويتهم لتبرير استمرار المنظومة ذاتها التي همّشتهم.
وليس من المبالغة القول إن تعيين كبرون، في هذا السياق، ليس تمثيلًا للنوبة، بل توظيفًا للنوبة ضد مشروع تحررها. فهو يُقدَّم كرمز، لا ليغيّر المعادلة، بل ليُجمّل القمع وليُربك قاعدته، مثلما كانت رمزية الزنجي المحارب في الجيوش الاستعمارية تُستخدم لإخضاع شعوب إفريقيا باسم التمدّن، كما عبّر مالكوم إكس حين قال: “لا تكن الزنجي الذي يُقدّم كأس الشاي لسجّانه، بينما أخوك يُضرب في الزنزانة المجاورة.”.
إن أخطر ما في هذا النوع من التوظيف هو أنه يحوّل الهوية من أداة للتحرر إلى قناع للهيمنة، ومن موقع مقاومة إلى موقع خيانة رمزية.
والسؤال الحقيقي الان: كبرون يخدم مشروع تحرير المهمشين بما فيهم النوبة؟
وإن لم يكن كذلك، فإن نوبويته تصبح أداة ضد جبال النوبة نفسها، تمامًا كما قال جيفارا: “من يقف متفرجًا على الظلم من موقع الامتياز، هو شريك في الجريمة ولو كان يحمل اسم الضحية”
ثانيًا: حكومة بور سودان وتجديد بنيات السودان القديم – قراءة في التوظيف والهيمنة:
تمثّل حكومة بور سودان، كما تتشكّل اليوم، استعادة دقيقة لمعادلة السودان القديم التي قامت على تحالف ثلاثي بين الطائفية الدينية، والعسكرية المركزية، والأيديولوجيا الإسلاموعروبية، وهو تحالف شكّل منذ الاستقلال الركيزة الأساسية لبنية الهيمنة في السودان. إنها ليست حكومة “انتقال”، بل إعادة تدوير لبنية سياسية–اجتماعية وُلدت مع الاستعمار واستمرت بعده، عبر دولة ما بعد الاستقلال التي اختطفتها النخب النيليّة، وأقصت عبرها أغلبية السودانيين
تحمل هذه الحكومة أجندة معلنة ومتكرّرة، يمكن تلخيصها في:
– رفض العلمانية بوصفها تهديدًا لامتيازات دينية وطائفية تاريخية
– رفض حق تقرير المصير باعتباره تهديدًا لوحدة مركزية مبنية على الإقصاء
– الترويج لجيش عقيدته مؤدلجة دينيًا وولاؤه لمراكز القوي الحاكمة، لا للدولة أو المواطن
– شنّ حرب على تحالف “تأسيس” و”الحركة الشعبية – شمال”، عبر الاختراق والتشكيك والاحتواء الرمزي
إن تعيين الفريق حسن داؤود كبرون وزيرًا للدفاع ضمن هذه الحكومة لا يمكن فهمه إلا في إطار هذه البنية السياسية. فهو لا يأتي نتيجة اعتراف بحجم التضحيات التي قدّمها شعب جبال النوبة، ولا استجابة لمطالبهم العادلة في الكرامة والمساواة والمواطنة المتساوية، بل يُقرأ بوصفه مناورة تكتيكية لاختراق الحاضنة الاجتماعية والسياسية للحركة الشعبية، في لحظة تتسع فيها مناطق نفوذها العسكري والسياسي في جبال النوبة والنيل الأزرق.
تستدعي هذه اللحظة قراءة فلسفية، ثورية أعمق. فكما يُحذر فرانز فانون، فإن “البرجوازي الوطني التابع سرعان ما يُصبح وسيطًا لاستمرار الاستعمار بأقنعة جديدة”، ويضيف أن أخطر أشكال التوظيف هو أن يُقاتل “الزنجي من أجل جلد المستعمِر”، ظنًا أنه يحمي وطنه بينما يُقاتل ضد تحرره.
وفي السياق نفسه، يكتب مالكوم إكس أن “المشكلة ليست في المستعبد الذي يعمل في الحقل، بل في المستعبد الذي يُدعى إلى البيت”، مشيرًا إلى الواجهة السوداء التي تُستخدم لحماية النظام الأبيض. هذا تمامًا ما يحدث حين يُستخدم كبرون – دون تفويض من قاعدته الثورية – في موقع سيادي ضمن منظومة تعادي جوهر مشروع السودان الجديد
وتتعمّق الدلالة السياسية لهذا التعيين حين ننظر إلى موقع حكومة بور تسودان في الخرائط الإقليمية. فهذه الحكومة ترتبط سياسيًا وأمنيًا بمحاور إقليمية تتبنى مشاريع هندسة عرقية، دينية مشابهة لما تشهده المنطقة من محاولات تصفية للتعدد، وهو ما يجعل من التوظيف الرمزي لأبناء الهامش مجرد استراتيجية ناعمة لشرعنة سياسات إقصائية وعنيفة.
وهكذا، يتحول كبرون في هذا السياق إلى نسخة معاصرة من “الباشا الأسود”، الذي – بحسب أدبيات الأدب الثوري الأفريقي يُجنَّد لحراسة مصالح السلطة التي تهمّش مجتمعه، مقابل امتياز فردي هش وزائل. وهو ما يحذّر منه المفكر ستيف بيكو، حين يقول: “الأسوأ من قمع البيض هو أن تُقمع من قِبل شخص يشبهك، لكنه لا يرى نفسه منك”
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في مجرد تعيين شخصية نوباوية في منصب وزاري، بل في تحويل الهوية إلى أداة وظيفية داخل منظومة هيمنة، تُقصي القضية بينما تحتفي بالشخص، وتستدعي الجغرافيا بينما تُقمع مشروعها التاريخي. وبذلك، يصبح “التعدد” واجهة تُدار من الأعلى، لا نتاجًا لصراع من أجل التحرر والعدالة…
ثالثًا: الجيش ومصير المأخوذ بالوهم، عن كبرون كواجهة وظيفية في منظومة قمع نفسه:
منذ تأسيس الدولة السودانية الحديثة، كانت جبال النوبة أحد أبرز الخزانات البشرية للجيش النظامي، ليس بوصفها حليفًا استراتيجيًا للدولة، بل بوصفها موردًا للرجال دون تمثيل أو اعتراف سياسي أو ثقافي. آلاف من أبناء النوبة خدموا في الجيش، قاتلوا في الجنوب ودارفور، وقمعوا احتجاجات في الخرطوم، لكنهم ظلوا في أسفل التراتبية السياسية والرمزية، يُستدعون حين يُطلب القتال، ويُهمّشون عند اقتسام القرار.
اليوم، ومع صعود الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، واتساع قاعدة مشروع “السودان الجديد” في جبال النوبة وغيرها، يُدرك المركز النيلي جيدًا أن هذه الكتلة أصبحت ذات وعي نضالي جديد، لم تعد تقبل بلعب دور “الحرس الإثني” لنظام يقمعها. وهنا يأتي تعيين الفريق حسن داؤود كبرون في موقع وزير الدفاع، لا بوصفه مكافأة، بل بوصفه أداة تكتيكية، يُراد بها تفكيك الداخل من داخله، واختراق الوعي من خلال وجه يشبهه.
لكن هذا التعيين ليس شراكة، بل اختبار قاسٍ لما أسماه ستيف بيكو بـ”الوعي الزائف الذي يُزرع في السود بواسطة بنى الهيمنة، فيظن أحدهم أنه صعد بينما هو مجرد سجين في ثوب وزير”.
بل إن فرانز فانون، في معذبو الأرض، يذهب أبعد من ذلك حين يصف من يتقلدون مناصب في بنية استعمارية بأنهم “ليسوا مناضلين ولا ممثلين، بل وسطاء وظيفيون يعيدون إنتاج الاستعمار عبر جلدهم، ويُكلفون بمهمة وحيدة: منع الثورة من الداخل”
وفي السياق نفسه، يحذّر مالكوم إكس من “المستعبد الذي يُدعى إلى بيت السيد”، ويُقدّم كعلامة على العدالة، بينما كل مهمته أن يُقنع المستعبدين الآخرين بأن السيد عادل. هذا المستعبد الحديث، يقول مالكوم، “حين يحترق بيت السيد… يُطفئه قبل أن يسأل من أضرم النار.
وبالفعل، إذا ما تأملنا في تعيين كبرون في ضوء هذه الرؤى، نجده لا يخرج عن منطق “السوداني الأسود الذي يُستخدم لحماية المشروع الإسلاموعروبي القديم”، مشروع قائم على إقصاء مجتمعه وشيطنة مشروع “السودان الجديد” الذي يناضل لأجل كل المهمشين. وهو ما يدفعنا لاستحضار تحذير جيمس بالدوين حين قال: “يتم تعيين السود في مناصب بارزة، لا لتغيير النظام، بل ليضمنوا بقاءه كما هو، مع لون جديد.” وفي هذا التعيين، تُعرض على كبرون صفقة واضحة: ابقَ في موقعك، ما دمت لا تفتح فمك، أو كما يكتب تشي جيفارا: “الثائر الذي يصمت يتحوّل إلى موظف في نظام القمع.” فبقاء كبرون مشروط بخضوعه، لا بكفاءته؛ بولائه للمركز، لا لمجتمعه؛ بصمته عن العلمانية، وتقرير المصير، والعدالة التاريخية، وهي القضايا التي تناضل من أجلها الحركة الشعبية وجماهير النوبة منذ عقود.
لانتوقع ان يخرج كبرون من عباءة “الرمز المستعمل”، فإنه – كما أظهر التاريخ – سيكون مجرد حلقة في سلسلة طويلة من أبناء الهامش الذين ظنوا أن السلطة تحميهم، فابتلعتهم، من “الراجات” الهنود الذين قُتلوا بعد تمرد 1857، إلى “الحركيين” في الجزائر الذين تركتهم فرنسا يموتون، إلى جنود الجنوب الذين استُخدموا في قمع الجنوب ذاته، ثم أُهينوا أو شُرِّدوا.
إن اللحظة الآن ليست لحظة مجد رمزي، بل اختبار وجودي للكرامة السياسية. فإما أن يكون كبرون في موقعه “وزيرًا لقضية أهله”، أو يُصبح أداة في يد المشروع الذي يريد إطفاء الثورة في جبال النوبة بالنار نفسها التي تُوقد بها الفتنة.
كما يقول فانون: “حين تُمنح مقعدًا على طاولة الظالم، لا تخلع سلاحك… بل اسأل لماذا تم استدعاؤك الآن.”
كبرون مدعوّ إلى أن يسأل. وإن لم يسأل، فالتاريخ سيفعل.
رابعًا: كبرون كوظيفة استعمارية لا كممثل للنوبة – عن الاستيعاب الرمزي والتوظيف السياسي العابر:
إن تعيين الفريق حسن داؤود كبرون وزيرًا للدفاع لا يمكن قراءته بوصفه “اختراقًا للنظام المركزي لصالح الهامش”، كما قد يُسوَّق، بل هو إعادة إنتاج لسياسة استعمارية مركزية قديمة تقوم على الاستيعاب الرمزي التضليلي لا التمثيل السياسي، وتستدعي أبناء الهامش إلى مواقع عليا بشرط أن يتقمصوا جلد السلطة التي طالما قمعتهم
ففي تاريخ الاستعمار البريطاني والفرنسي، عُرفت هذه السياسة بـاستخدام “المستخدمين المحليين”
(local collaborators)
وهي تقوم على منح أبناء الشعوب المستعمَرة مواقع شكلية أو وظيفية مؤقتة، يُستخدمون فيها لشرعنة السيطرة، لا لاقتسامها.
كتب جيمس بالدوين: “حين يُعيّن الأسود في موقع سلطة، لا يُمنح القوة، بل يُكلَّف بمهمة قمع قضيته نيابة عن النظام”
هذا بالضبط هو السياق الذي يُستدعى فيه كبرون اليوم:
– لا يمتلك حرية سياسية في مواجهة مشروع حكومة بور تسودان، التي تعادي العلمانية، وترفض اللامركزية، وتتنكر لـحق تقرير المصير، وتنظر بعين الريبة إلى التعدد الثقافي والإثني.
– لا يملك كبرون، حتى لو حسنت نواياه، أن يتحرّك خارج هذه البنية، لأن بقاؤه مشروط بالصمت عن قضايا جبال النوبة، وبمعاداة أي من ملامح السودان الجديد.
كما يحذّر فرانز فانون، فإن “الزنجي الذي يقبل بمنصب دون تحوّل في بنية السلطة، ليس إلا رمزًا مزيفًا، يُستعمل لحماية البنية نفسها التي تهمشه.”
ويضيف: “الاستعمار لا يمنحك منبرًا لتتحدث منه، بل منصة لتُستخدم ضد من يشبهونك”
أما ستيف بيكو، فكان واضحًا في تحذيره من “النخبة السوداء التي تقبل بأن تكون واجهة لسلطة بيضاء، لأنها لا تفهم أن تمثيلها دون سيطرة، ليس تحريرًا بل وظيفة”
من هذا المنطلق، فإن وجود كبرون في موقع وزير الدفاع لا يمكن وصفه بـ”الإشراك”، بل هو استعمال سياسي عابر، يراد به محاولة تفكيك أحد معاقل السودان الجديد – جبال النوبة – من الداخل، عبر وجه نوباوي، في لحظة تصاعد فيها تأثير الحركة الشعبية، واتسعت فيها رقعة مشروع تأسيس الدولة الجديدة.
التاريخ، بكل ما يحمله من تجارب استعمارية وثورية، يقول لنا شيئًا واحدًا:
من يقبل أن يُستخدم رمزًا بلا مشروع، يُستبدل أو يُسحق عند أول لحظة اختلاف.
كبرون، ما لم يتخذ موقفًا واضحًا في مواجهة بنية السلطة التي وُضع داخلها، لن يُسجّل اسمه بين القادة، بل بين “الموظفين الرمزيين” الذين يُستدعون باسم الهوية، ويُقصَون حينما تتعارض هويتهم مع الوظيفة.
كما كتب تشي جيفارا: “إن لم تكن مع الإنسان، ستكون ضده، حتى لو كنت تشبهه في اللون واللغة.”
والسؤال المُلِح: هل سيكون كبرون مع الإنسان النوباوي ومشروعه في التحرر، أم مع النظام الذي جعله مجرد صورة في قاعة القرار؟
خامسًا: السودان الجديد كمخرج تاريخي، لا رموز مُعاد تدويرها في دولة مهترئة:
ليس في تعيين الرموز الهامشية في مواقع شكلية ضمن منظومة سلطوية مركزية أي إنقاذ لمستقبل السودان، بل إن ما يُنقذ السودان من دورات الانهيار والتشظي هو مشروع تحوّل ثوري جذري وشامل، لا يكتفي بتعديلات تجميلية في الواجهة، بل يعيد تعريف الدولة، وهندسة علاقتها بالمجتمع على أسس عادلة وشاملة، وهذا مشروا اكبر ممن عين كبرون!
إن مصلحة جميع السودانيين، دون استثناء، لا تكمن في إعادة تدوير الوجوه، ولا في منح امتيازات شكلية لأبناء الهامش داخل بنية حكم ترفض الاعتراف بوجودهم كمكونات لها أرواح وحقوق، بل تكمن في تبنّي مشروع سياسي اجتماعي يقطع مع دولة ما بعد الاستعمار المركزية، ويؤسس لجمهورية جديدة، تقوم على المبادئ التالية:
– العلمانية، بوصفها الضامن الحقيقي للمواطنة المتساوية، و لحرية الدين والمعتقد، وللمساواة بين المواطنين بغض النظر عن خلفياتهم العقائدية.
– الديمقراطية التعددية، كأساس للتمثيل السياسي الذي يعكس حقيقة التنوّع الثقافي والإثني والديني في السودان.
– اللامركزية، كآلية لإعادة السلطة والموارد إلى المجتمعات المحلية والأقاليم، وتفكيك احتكار المركز النيلي-الأمني.
– العدالة التاريخية، بوصفها ضرورة أخلاقية وسياسية للاعتراف بالمظالم المتراكمة ضد شعوب بأكملها منذ العهد الاستعماري وحتى اليوم.
– حق تقرير المصير، لا كتهديد لوحدة السودان، بل كأداة تحرر واعتراف بالهويات الجماعية، وآلية اختيار حر لمصير سياسي تشاركي.
هذا المشروع، كما صاغه المفكر والمقاتل جون قرنق دي مبيور، وكما طوره القائد الراحل يوسف كوة مكي ويعض عليه بالنواجز اليوم القادة عبد العزيز الحلو وجوزف تكة وجقود مكوار… ورفاقهم، لا يدعو إلى تفكيك الدولة، بل إلى إعادة تأسيسها على قاعدة المواطنة والكرامة والعدالة. وهو المشروع الذي يلتف حوله الملايين من السودانيين من جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور والشرق والخرطوم وغيرها من مدن السودان، ليس لأنه مشروع إقليمي، بل لأنه المشروع الوطني الوحيد القادر على ضمان وحدة السودان عبر العدالة، لا عبر القهر.
في هذا السياق، لا يمكن لأبناء الهامش أن يُمثَّلوا حقًا من خلال رموز تُستدعى إلى السلطة بشرط أن تتنكر لقضيتهم، أو أن تصمت عن المظالم التي أنتجتها الدولة القديمة. فكما كتب جيمس بالدوين: “لا يمكنك أن تكون أسودًا وتعيش بسلام في بيتٍ بُني على إنكارك.”
وإن أي مسؤول أو ضابط من أبناء الهامش لا يصطف اليوم إلى جانب مشروع السودان الجديد، ويواصل العمل ضمن منظومة مركزية تُقصي وتُهمّش شعبه، فهو لا يُقاوم النظام، بل يُعيد إنتاجه، ولو باسم الهوية أو المنطقة.
كما رآي فرانز فانون، فإن أخطر ما تفعله النخب المهزومة هو أن “تحلّ محل المستعمِر، لا أن تضع حدًا لبنيته”. أما تشي جيفارا، فذكّرنا بأن “الثورة لا تُنجَز بالصدفة ولا بالتعيين، بل بالوضوح الأخلاقي والانحياز إلى المقهورين”
وبناء على ذلك، فإن الطريق إلى إنقاذ السودان لا يمر عبر مناصب في حكومة تنهار من الداخل، بل عبر تأسيس نظام سياسي جديد يعيد الاعتبار للمجتمعات التي حُرمت من المشاركة، ويعيد كتابة العقد الاجتماعي بيد أبنائه جميعًا.
هذا هو السودان الذي يمكن أن ينهض:
ليس سودان الرموز التجميلية، بل سودان العدالة، والمساواة، وحق الحياة الكاملة للجميع…
خاتمة: كبرون ليس أول من يُستدعى… لكنه قد يكون الأخير إن وعينا الدرس:
في سرديات الشعوب المقهورة، كثيرًا ما تتكرّر الشخصيات التي تتوهّم الخلاص الفردي في حضن الأنظمة التي صاغت تهميشها. الفريق كبرون ليس استثناءً في هذا المسار، بل حلقة جديدة في سلسلة من “الوجوه السوداء” التي استُدعيت لتجميل واجهات سلطة ظلت تُقصيهم بنيويًا، ثم تُحمّلهم لاحقًا وزر فشلها.
لكن التاريخ لا يُعيد نفسه بذات التفاصيل؛ الوعي الشعبي يتراكم، والجماهير اليوم لم تعُد تُخدع بسهولة بالرموز المعزولة عن مشروع تحرر فعلي. فالتمثيل بلا تغيير بنية السلطة، ليس تمثيلًا بل استخدام رمزي عابر، ينتهي غالبًا بعزلة أو نفي أو لعنة الذاكرة.
إذا كانت حكومة بور سودان تظن أن تعيين وزير “أسود” من جبال النوبة يكفي لإقناع السودانيين بأن شيئًا قد تغير، فعليها أولًا أن تُفرّغ مركزيتها من امتيازاتها الدينية والعرقية والثقافية، وتقبل بمشروع وطني يعيد توزيع السلطة والثروة على أسس العدالة والانصاف.
لكننا نعلم، والتاريخ يُعلّمنا، أن ذلك لا يحدث من داخل البنية القديمة، بل عبر مشروع تحوّلي جذري يُزعزعها من أساسها.
كتب مالكوم إكس: “إن أولئك الذين يُستخدمون ضد شعوبهم، لا يُحسبون على أحد، ولا يجدون وطنًا عندما تنتهي اللعبة”
كبرون – ومن على شاكلته – لا يُلام بقدر ما يُستدعى ليمثل خيارًا على ثوار السودان الجديد رفضه بوضوح. فالمسألة اليوم ليست شخصًا، بل نموذجًا سياسيًا متهالكًا يسعى لتجميل نفسه برموز من الهامش دون أن يغيّر شيئًا في بنيته.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)




