
سمية النور دهب
تظل ظاهرة هيمنة الانفعالات الجماعية على التفكير الفردي واحدة من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات في أوقات الأزمات، خاصة حين يُستغل الإعلام والقوى السياسية لتوجيه الرأي العام بعيدًا عن الحقائق. تتحول الجماهير في هذه اللحظة إلى أدوات ضمن منظومة انفعالية، حيث يسود العاطفة على العقل، ويصبح التفكير النقدي مستبعدًا. في هذا السياق، تتكاثر الأخبار المفبركة والمشاهد الدرامية المصممة لإثارة الرعب والخوف، فتغيب الوقائع ويتم خلق وعي زائف يبرر استمرار الأزمات ويعمق الانقسامات.
الإعلام، عند استغلاله بهذا الشكل، لا يقتصر دوره على نقل الأحداث، بل يتحوّل إلى صانع للرواية التي تخدم مصالح السلطة والمهيمنين، حتى لو كانت تلك الرواية مخالفة للحقائق على الأرض. تُستثمر الصور والشعارات والرموز الوطنية والدينية لإقناع الجماهير بأن ما يحدث يخدم مصالحها، في حين أنه في الحقيقة يعزز الهيمنة ويغذي الصراعات. إن استغلال الانفعالات بهذا الشكل يُضعف قدرة الأفراد على الحكم المستقل ويحوّل المجتمع إلى كتلة من الناس يتلقون المعلومات بلا تحليل، ويستجيبون لمؤثرات عاطفية مصممة بعناية.
الأمثلة الواقعية على هذه الظاهرة تتجلى في الأزمات الإنسانية والسياسية، حيث تُصور الحوادث بطريقة تضخّم الخطر أو تُحرف الحقائق، وتُستثمر المشاهد المفبركة لإلهاء الجمهور عن المسؤولية الفعلية للفاعلين في الأزمة. في المقابل، يبرز الإعلام المهني القائم على التحقق والتوثيق كأداة لفك الطلاسم وكشف الزيف، مؤكداً على أن التغطية المستندة إلى الواقع والميدانية هي الطريق لإعادة توازن الوعي المجتمعي، ومنع سيطرة العاطفة على العقل.
إن استمرار عقلية القطيع يعمّق الأزمة ويجعل الإصلاح والتغيير صعبين، فحين تُختزل الحقيقة في رواية واحدة، يتحول النقد إلى خيانة والوعي إلى خطر، ويتسع الفجوة بين ما يراه الأفراد وما يحدث فعليًا على الأرض. ولذا فإن أي جهود للسلام أو الإصلاح تتعرض لإعاقة مستمرة، ما لم تُصحح هذه الثقافة الإعلامية والسياسية، ويُستعاد دور المواطن في ممارسة التفكير النقدي المستقل.
التحرر من هذه الحالة يتطلب إعادة بناء وعينا الجماعي والفردي، عبر تعليم يُعلّم التفكير لا المعلومات، وتحفيز على التساؤل والتحقق بدل القبول الأعمى. الإعلام الحر والمستقل يلعب دوراً محوريًا في هذا الصدد، لأنه يستطيع أن يخلق مساحة للمواطن ليصغي للحقائق ويكوّن حكمه الخاص بعيدًا عن الضغوط الانفعالية. وعندما يتمكن الأفراد من هذا التحرر، تصبح المجتمعات أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وأكثر استعدادًا لمساءلة المسؤولين ومحاسبتهم، دون أن تُخضع لعاطفة جماعية مضللة.
الأزمة الراهنة ليست مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل هي صراع على الوعي ذاته. فقد أصبح العقل في كثير من الأحيان غائبًا، وحل محله الانفعال، فتتحول الأوطان إلى مسارح للوهم والدمار. ولذا، فإن استعادة القدرة على التفكير النقدي والمستقل هي المفتاح لمعالجة الانقسامات، وإعادة بناء مؤسسات قوية وشفافة، وتطوير مجتمع قادر على اتخاذ قراراته بعقلانية وعدالة. فحين يغيب التفكير وتعلو الانفعالات، تتحول الأحداث إلى سرديات مزيفة، والحقيقة أول الضحايا، ويصبح الإنسان وقودًا لصراعات ليست ملكه، ويمتد أثرها ليشمل كل أوجه الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
في النهاية، فإن التحدي الأكبر يكمن في كسر حلقة الانفعال الجماعي، واستعادة وعي الفرد والمجتمع، لتصبح القرارات مدفوعة بالحقائق والمعرفة، لا بالخوف أو الدعاية. فقط حين يستعيد الإنسان وعيه النقدي، يمكن للمجتمع أن يتحرر من قيود الإعلام الموجّه والانفعالات الجماعية، ويبدأ طريقه نحو الاستقرار والتنمية.




