رأي

​سيكولوجية الحشد والحرب: قراءة في المشهد السوداني عبر منظار “لوبون”

عماد جدو

 

​عماد جدو

​عندما وضع الطبيب والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون كتابه الشهير “سيكولوجية الجماهير”، لم يكن يتخيل أن تشريحه للعقل الجمعي سيظل نابضاً بالحياة في صراعات القرن الحادي والعشرين. في السودان اليوم، يتجلى هذا “العقل الجماهيري” بوضوح في سلوك القواعد الداعمة لاستمرار الحرب، وتفاعل “البسطاء” مع خطابات الجنرال عبد الفتاح البرهان

​يرى لوبون أن الفرد بمجرد انخراطه في “جمهور” يفقد ملكة النقد الذاتي وتتراجع لديه القدرات العقلية لصالح العاطفة الجياشة. هذا ما نلحظه في سلوك المنتمين للحركة الإسلامية الداعمين لاستمرار الحرب؛ حيث تحول الصراع لديهم من “خلاف سياسي” إلى “معركة وجودية قدسية”. يغيب هنا المنطق الذي يسأل عن كلفة الدم، ويحل محله التحريض والعدوى النفسية، حيث تنتشر الرغبة في “الإبادة” كالنار في الهشيم، مدفوعة بوعود “الحسم” التي تعطل التفكير في مآلات الحرب الكارثية.

​يوضح لوبون أن الجماهير لا تقتنع بالبراهين المنطقية، بل بـ “التوكيد، والتكرار، والعدوى”. يمارس الجنرال البرهان هذا الدور في زياراته الميدانية التي تستهدف “بسطاء المواطنين

​ خطاب “إبادة آخر جندي” هو خطاب عاطفي مباشر يلامس غريزة البقاء والغضب لدى المواطن الذي فقد كل شيء، متجاوزاً تعقيدات الحلول السياسية.

​ الزيارات الميدانية تمنح الجمهور شعوراً زائفاً بالأمان وتغذي الحاجة الفطرية للجماهير بوجود “سيد” يوجهها، وهو ما يطلق عليه لوبون الخضوع للمحرض

​ الجماهير تعشق الأوهام التي تريحها من عناء التفكير. خطاب الحرب حتى النهايةهو وهم مريح للعامة الذين يبحثون عن مخرج سريع، حتى وإن كان هذا المخرج يمر عبر تدمير ما تبقى من الدولة.

​تكمن معضلة خطاب “الإبادة” في أنه يحول الطرف الآخر في مخيلة الجمهور إلى “شيطان” يجب محوه، مما يلغي تماماً إمكانية الحلول الوسط. الحركة الإسلامية هنا تعمل كـ ماكينة دعائية ترفد هذا التوجه بصبغة أيديولوجية، مستخدمة آليات “التلقين” لجعل الحرب هي “الثابت الوحيد” في وعي المنتمين لها، مما يجعل أي دعوة للسلام تبدو في نظرهم “خيانة”.

​إن المشهد السوداني الراهن هو تطبيق عملي لنظريات لوبون؛ حيث يتم التلاعب بعواطف البسطاء، وتوظيف رغبة الإسلاميين في العودة للسلطة عبر بوابة البارود. إن الخروج من هذه الدائرة يتطلب استعادة “الفردية” والمنطق النقدي بعيداً عن صخب الحشود وخطابات الإبادة التي لا تبني وطناً بقدر ما تحرق مستقبله.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!