رأي

في الذكري السابعة لثورة ديسمبر: الثورة باقية والاستبداد إلي زوال

السفير عادل إبراهيم مصطفي

في الذكري السابعة لثورة ديسمبر: الثورة باقية والاستبداد إلي زوال

 السفير عادل إبراهيم مصطفي

نستحضر في يوم 19 ديسمبر، بخشوعٍ وفخر، ذكرى جميع الشهداء؛ أولئك الذين خطّوا على صفحات التاريخ سطورًا من نورٍ ودم، ونحيّي كل الشرفاء، وكل من صاح في وجه الظلم: لا… لا.

في هذا اليوم المجيد، تحلّ الذكرى السابعة لانطلاق ثورة ديسمبر العظيمة؛ الثورة التي هزّت أركان الاستبداد، وأدهشت العالم بسلميتها، وبنقاء شعاراتها، وبوقودها الشبابي الثائر الذي استرخص الأرواح، وبذل النفس والنفيس بمثابرةٍ أذهلت الأعداء قبل الأصدقاء، من أجل بناء سودانٍ جديدٍ ينعم بالحرية والسلام والعدالة. سودانٌ تقوم فيه دولةُ المؤسسات الوطنية المهنية، المقتدرة فنيًا وأخلاقيًا، القادرة على أداء مهامها في البناء والتنمية، وخدمة الشعب، وصون السيادة ووحدة الأراضي، وحماية الدستور، وترسيخ النظام الديمقراطي المدني.

لكن—وبكل أسف—تصدّت لهذه الآمال فئةٌ باغية، عصابةٌ رفضها الشعب، وهتف ضدها في الميادين: «سلمية، سلمية ضد الحرامية»، و«الجوع، الجوع ولا الكيزان»، و«أي كوز… ندوسو دوس». سعت هذه الفئة إلى وأد الثورة، مستخدمةً آلتها الأمنية والعسكرية، بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، الذي وضعته الثورة—بحسن نية—على رأس مجلس سيادتها. وثبت أنه ليس أهلًا لهذا التشريف ولا يستحقه.

شرعت العصابة في تنفيذ سلسلةٍ من الإجراءات الممنهجة لهزيمة الثورة والعودة إلى الحكم؛ فكان الهجوم الغادر على المعتصمين السلميين أمام القيادة العامة، التي ظنّها الثوار حرمًا آمنًا بوصفها قيادةَ جيش الشعب والوطن. ولكن—بكل أسفٍ وحسرة—تم حرقهم، واغتصابهم، وقتلهم بدمٍ بارد، وإلقاء جثث بعضهم في النيل. ثم وُضِعت العراقيل أمام حكومة الثورة بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك، عبر صناعة الندرة في السلع الأساسية، وإشعال النزاعات القبلية، وقطع شرايين الاقتصاد، وصولًا إلى إغلاق الميناء. وحين فشلت تلك المحاولات، لجأت العصابة إلى تقويض النظام الدستوري—كما فعلت من قبل—بتنفيذ انقلاب 25 أكتوبر 2021 المشؤوم، وسقوط 126 شهيدًا وشهيدة برصاص القمع أثناء مقاومة الانقلاب سلميًا.

ولا شك أن الحرب الكارثية التي تعصف بالبلاد جاءت في صدارة الإفرازات السالبة لذلك الانقلاب. ولم تُشعل هذه الحرب إلا لهزيمة ثورة ديسمبر وسحقها ومحو آثارها، واستعادة سلطةٍ غاشمةٍ يرفضها الشعب، ولو كان الثمن أشلاء الوطن والمواطن.

ومع ذلك، فبفضل الله، ثم بفضل صلابة الشعب وإيمانه الراسخ بعدالة القضية، ستتوقف هذه الحرب دون أن تبلغ العصابة الباغية مرادها. وستنتصر ثورة ديسمبر، وتواصل مسيرتها لتحقيق أهدافها في بناء دولةٍ حديثةٍ مستقرة، يتبادل فيها المواطنون—نساءً ورجالًا—السلطة سلمًا، ويُبنى فيها جيشٌ مهنيٌّ وطنيٌّ ينصرف إلى إتقان واجبه الدستوري المباشر في حماية الشعب والدستور، والدفاع عن الأرض والموارد والمقدرات.

وستستخدم الثورة شرعيتها الثورية والقانونية لمحاسبة المتسببين والمتورطين في الحرب والجرائم المتصلة بها، ومحاسبة قتلة الشهداء في جريمة فضّ الاعتصام، وفي قتل المتظاهرين السلميين، وفي جريمة انقلاب 25 أكتوبر 2021. ولا يظنّن من وقف وراء هذه الجرائم أنه فالتٌ من العقاب.

وإلى شباب الثورة—الثوار والكنداكات—وإلى القوى المدنية المؤمنة ببناء سودان جديد أقول: إن تجربة السنوات السبع الماضية تؤكد أن جوهر الصراع في السودان هو صراعٌ بين مشروعين متناقضين: مشروع الدولة المدنية الديمقراطية، ومشروع الاستبداد العسكري–الأمني المتجدّد. وقد أثبتم، بالفعل، أن الوعي والتنظيم والسلمية أدواتٌ قادرة على إحداث التحوّل، متى ما اقترنت بوحدة الصف، ووضوح الهدف، وطول النفس.

أنتم الفاعل التاريخي الأهم في معادلة التغيير، وضمان قطع الطريق أمام إعادة إنتاج الإنقلاب وكل القديم بأشكال جديدة. وبقدر ما تحافظون علي أخلاق ثورة ديسمبر ومبادئها، وتتعلمون من أخطائها، بقدر ما تقترب لحظة بناء دولة الحرية والسلام والعدالة.

المجد والخلود للشهداء، والنصر لثورة ديسمبر الباسلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!