رأي

صرخة البطون الخاوية في كادقلي..

د. خالد تارس

د. خالد تارس

في مشهدٍ نادرٍ ومؤلم ومُحزن وبئيس، إهتزت مدينة كادقلي بجنوب كردفان على وقع ثورة الجوعى والمحتاجين، حيث اقتحم مواطنون غالبيتهم من النساء والأطفال أسواق المدينة ومخازن الذرة والدقيق، كاسرين أقفال المحال التجارية بحثًا عن لقمة تسد رمقهم وتملأ بطوناً أنهكها الفراغ والتيبُس. لم يكن هذا التصرف الهستيري وليد اللحظة، بل هو تعبيرأ حقيقاً عن يأسٍ عميق وجوعٍ حاصر البيوت وطوى البطون، وجعل المطابخ خاوية حتى من وجبة تكفي ليوم واحد.

الغريب في الأمر والمثير للتساؤلات، أن المجموعات الأمنية التى هزها الحال وكشفها، مثل (كافي طيارة) وبعض الأفراد النظاميين من أبناء كادقلي الذين ارقهم الموقف بشده، هم من أوعزوا للمواطنين بهذا التصرف اليائس والمتأخر، يبدو أنهم رأوا بأعينهم غياب البديل الاخلاقي لحل أزمة الجوع الطاحنة التي ضربت عمق المدينة، وحتى أفراد القوات النظامية أنفسهم يعانون القلة وشظف العيش، وفي خضم هذا الشح والانعدام والندره، يبرز جشع التجار الذين يحتكرون السلع الغذائية ويخزنونها للمضاربة، ويظهر للعلن تجار الازمة وسماسرة الجوع والغلاء، مستغلين عوز الناس وحاجتهم.

يزداد الموقف سوءاً وتدهور عندما تتجه السلطات القمعية لمواجهة هؤلاء الجوعى بالعنف المفرط، مُفضلةً حماية الأسواق ومدخرات التجار (الجشعين).. على أرواح الملهوفين والمتضورين جوعاً، ان المزاعم التي قدمتها السلطات لتبرير هذا العنف تتلاشى أمام واقع سقوط عدد هائل من الضحايا غالبيه من النساء وربات البيوت، مما يعزز الفرضية بأن دافع هؤلاء المواطنين كان الحاجة الماسة للأكل والبقاء على قيد الحياة، حيث لم يجدوا سبيلاً لمجابهة تهديدات الجوع والجدب سوى الدخول إلى السوق واقتحام مخازن الدقيق لأخذ ما يلزمهم بطريقة فوضوية، تعبيراً عن رفضهم لهذا الواقع المؤلم والمميت. وبهذه المناسبة اصدر المجلس الاستشاري المركزي لجبال النوبة بياناً شديد اللهجة عبر فيه عن غضبة وانزعاجة للطريقة التي تعاملت بها السلطات المحلية مع المواطنين الجوعى، واعتبر البيان ان هذا التصرف يضمر سوء نية، ويعتبر جزءاً لا يتجزأ من سياسية الاستنفار مقابل الغذاء التي يخطط لها المركز عبر القوات المسلحة، وهي سياسة ابتزاز رخصية تريد بها قيادة الجيش ارغام شباب جبال النوبة على الانخراط في معسكرات التجنيد من اجل الحصول على الغذاء لاسرهم التي يحاصرها الجوع في كادقلي وبقية المدن، وهي اخر محاولات الابتزاز التي يقوم بها الجيش من اجل التحشيد والاستقطاب الاثني لصالح معسكرات الارهابين لا من اجل حل ازمة البطالة وتوفير فرص العمل والعيش الكريم.

إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في المواطنين الذين عبروا عن مقاومة الجوع بشكل هستيري في اجتياح المتاجر وتحطيم الاقفال دون أي حسابات أمنية، بل في السلطات التي تتعامل بعنف انتقامي مفرط مع هؤلاء الجوعى دون أدنى اعتبار لهذه الأزمة الإنسانية الطاحنة الخطيرة، وبالنظر الى بيان المجلس المركزي للنوبة فإن الدولة لاترى في مطالب الجوعى حقوق طبيعية يجب التعبيرعنها بالوسيلة المناسبة كما لدى مواطني العالم اجمع ولكن بتصرف القوات الامنية انكشف التدبير وعرف الناس ان الجيش كان يتاجر في سلعة الاستنفار مقابل الغذاء. ومن الاسف الشديد ان نرى في كادقلي الوريفة مدينة تعايش العزلة أوضيق اقتصادي مزري بسبب ضراوة القتال من حولها بين الجيش وقوات تحالف تأسيس، مما جعل دخول المواد الغذائية الكافية أمرًا بالغ الصعوبة في الوقت الحالي، ويزيد من حجم المعاناة وتعقيد الوضع المأساوي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!