
- 7
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
ما جرى في الفعالية التي نظمتها القنصلية السودانية في جدة لم يعد أمراً قابلاً للإنكار أو التأويل، إذ إن مقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي توثّق استخدام شعارات ذات طابع أيديولوجي واضح، مرتبطة بخطاب تنظيم الإخوان المسلمين، وذلك في سياق فعالية داعمة للحرب الدائرة في السودان.
نحن هنا لا نتحدث عن انطباعات أو روايات شفوية، بل عن مواد مرئية متاحة للرأي العام، تُظهر انخراط بعثة دبلوماسية رسمية في خطاب تعبوي سياسي، وهو ما يُعد خرقاً صريحاً للأعراف الدبلوماسية التي تقوم على الحياد، وتمثيل الدولة بكامل تنوعها، لا تياراً أو أيديولوجيا بعينها.
وتزداد خطورة هذا السلوك إذا ما وُضع في سياقه الإقليمي. فالمملكة العربية السعودية إحدى الدول المنخرطة في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان والدفع نحو مسار سياسي يهدف إلى وقف النزاع. وعليه، فإن أي نشاط يصدر عن بعثة دبلوماسية سودانية على أراضيها لا يُقرأ كتصرف داخلي معزول، بل كرسالة سياسية، مقصودة أو غير مقصودة، تستوجب قدراً عالياً من الاتساق مع هذا السياق.
الدور الأساسي لأي قنصلية هو رعاية شؤون مواطنيها، وتقديم الخدمات القنصلية، والحفاظ على علاقات متوازنة مع الدولة المضيفة. أما تحويل مقر دبلوماسي إلى منصة تعبئة سياسية، وإعادة تصدير خطاب الحرب إلى الخارج، فهو سلوك يضع القنصلية خارج دورها القانوني والأخلاقي، ويُسهم في استقطاب الجالية السودانية، وزجّها في صراع لا تملك أدواته ولا قراره.
ومن المهم أيضًا أن نتذكر أن القنصلية السودانية مؤسسة عامة ممولة من أموال المواطنين، وواجبها الأساسي هو تقديم خدمات القنصلية وحماية مصالح السودانيين في الخارج، بما في ذلك تسهيل الوثائق، المعاملات الرسمية، وحماية الجالية من أي أذى أو استغلال. أي انحراف عن هذا الدور، وتحويل البعثة إلى منصة لترويج خطاب أيديولوجي أو دعائي للحرب، يشكل إخلالاً بمسؤوليتها تجاه الجمهور الذي يدفع رواتب موظفيها، ويخالف المعايير المهنية التي يفترض أن تقوم عليها البعثات الدبلوماسية.
ومن زاوية أخرى، يمكن أن تُستخدم ميزانية هذه الفعالية الاحتفالية في معالجة بعض المشاكل التي يعاني منها السودانيون العالقون في المملكة بسبب الحرب، مثل تسهيل المعاملات، استخراج الوثائق، أو تقديم دعم عاجل للجالية. إن صرف الأموال في نشاط رمزي سياسي بدل تقديم الخدمات الأساسية يعكس اختلال أولويات البعثة ويؤكد الحاجة إلى إعادة ترتيب المهام بما يخدم مصالح المواطنين أولاً.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الخطر الأكبر، وهو محاولة توريط السودان في حرب ذات طابع أيديولوجي، في وقت يشهد فيه العالم إجماعاً متزايداً على التعامل مع هذا النوع من الصراعات والخطابات بوصفه مهدداً للاستقرار الإقليمي ومصدراً محتملاً للتطرف العابر للحدود. فتصوير الصراع بوصفه حرباً عقائدية، عبر منصات رسمية، لا يضر فقط بفرص الحل السياسي، بل يضع السودان في مربع بالغ الخطورة دولياً، ويقوّض أي تعاطف أو دعم محتمل.
إن استخدام خطاب أيديولوجي من خلال بعثات دبلوماسية رسمية لا يُقرأ كخلاف سياسي داخلي، بل كإشارة مقلقة للمجتمع الدولي، توحي بأن مؤسسات الدولة تُدار بمنطق الجماعة لا بمنطق الدولة، في لحظة تاريخية يحتاج فيها السودان إلى دبلوماسية تُخفّف العزلة لا تُعمّقها.
وفي أوقات الحروب، تتضاعف مسؤوليات الدبلوماسية ولا تتقلص. فمهمة البعثات الدبلوماسية لا تكون في تأجيج الصراع أو تبريره، بل في حماية مصالح المواطنين في الخارج، ونقل صورة دولة تسعى لوقف الحرب لا لتوسيعها، والعمل على خفض التصعيد، والحفاظ على قنوات التواصل مع المجتمع الدولي.
الدبلوماسية في زمن الحرب هي خط الدفاع الأخير عن صورة الدولة، وهي الأداة التي تُستخدم لفتح مسارات السلام، لا لإغلاقها، ولتخفيف العزلة، لا لتكريسها، ولمنع انزلاق الصراع إلى مسارات أيديولوجية تهدد الأمن الإقليمي والدولي. وعندما تنحرف البعثات الدبلوماسية عن هذه المهام، فإنها لا تخالف الأعراف فقط، بل تُسهم في إطالة أمد الحرب، وتحمّل الدولة كلفة سياسية مضاعفة، يدفع ثمنها شعبٌ أنهكته الحرب ويبحث عن دولة، لا عن خطاب تعبئة.
فالدبلوماسية ليست منبراً،
والقنصليات ليست منصات أيديولوجية،
والحرب ليست فعالية تُنظَّم وتُسوَّق كالبازار.




