
إيمان التجاني
يظل النقاش حول التسوية السياسية في السودان من أكثر القضايا إثارة للجدل، ليس بسبب مبدأ التسوية في حد ذاته، بل بسبب مضمونها والنتائج المترتبة عليها. فالتجربة السودانية، منذ الاستقلال، أظهرت بوضوح أن التسويات التي لا تمس جذور الأزمة سرعان ما تتحول إلى آليات لإعادة إنتاج الاختلالات القديمة، وتكريس هيمنة النخب ذاتها التي قادت البلاد إلى الانهيار.
إن جوهر الأزمة السودانية لا يكمن فقط في تعاقب الأنظمة، بل في طبيعة الدولة التي تأسست على مركزية خانقة، واحتكار للسلطة والثروة، وإقصاء ممنهج لشعوب الهامش. هذه البنية أنتجت دولة غير متوازنة، تُدار بعقلية الامتياز لا المواطنة، وتُستخدم فيها المؤسسات العامة لخدمة مجموعات محددة، بينما تُترك الأغلبية خارج معادلة القرار. لذلك، فإن أي تسوية سياسية تتجاهل هذا الواقع البنيوي، وتكتفي بتقاسم السلطة بين ذات الفاعلين، لن تكون سوى إعادة تدوير للأزمة.
يُضاف إلى ذلك البعد الإقليمي، حيث لعبت علاقات بعض النخب الحاكمة مع قوى خارجية دورًا أساسيًا في تثبيت هذا الاختلال. فقد تم في كثير من الأحيان مقايضة السيادة الوطنية بالدعم السياسي أو الأمني، بما يضمن بقاء هذه النخب في الحكم، ولو على حساب مصالح الشعب. هذا النمط من العلاقات لا ينتج دولة مستقلة القرار، بل يُعمّق التبعية، ويُفرغ أي تسوية داخلية من مضمونها الوطني.
في المقابل، لا يعني رفض التسويات السطحية الدعوة إلى القطيعة المطلقة مع السياسة أو إنكار الحاجة إلى حلول تفاوضية. فالانتقال من حالة الصراع إلى حالة الاستقرار يتطلب أدوات سياسية، لكن بشرط أن تكون هذه الأدوات موجهة نحو إعادة التأسيس لا الترميم. التسوية المطلوبة هي تلك التي تعيد تعريف مفهوم الوطن، وتؤسس لمواطنة متساوية، وتعالج المظالم التاريخية عبر آليات عدالة انتقالية حقيقية، لا شكلية.
كما أن بناء مؤسسات قومية، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، يمثل شرطًا لا غنى عنه لأي تسوية ذات معنى. فالدولة لا يمكن أن تستقيم بجيش يعكس توازنات سياسية أو جهوية، بل تحتاج إلى مؤسسة مهنية، خاضعة للسلطة المدنية، ومعبّرة عن التنوع السوداني. إلى جانب ذلك، يبرز دور العقد الاجتماعي الجديد، الذي ينبغي أن يعالج جذور خطابات الكراهية والعنصرية، ويؤسس لتعايش سلمي قائم على الاعتراف المتبادل والإنصاف.
التجارب السابقة في السودان، وغيرها من الدول، تؤكد أن التسويات التي تتجاوز العدالة وتؤجلها باسم الاستقرار غالبًا ما تنتج استقرارًا هشًا، سرعان ما ينهار عند أول اختبار. لذلك، فإن الخيار ليس بين التسوية والفوضى، بل بين تسوية تعالج الأسباب، وتسوية تُجمّل النتائج. وفي لحظة تاريخية دقيقة كهذه، يبدو أن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على تسوية تعيد بناء الدولة على أسس عادلة ومستدامة، لا على حلول سريعة تُرضي النخب وتُبقي الأزمة قائمة بثوب جديد.




