رأي

قداسة زائفة وسجل أسود: الإخوان المتأسلمون كأخطر تنظيم عرفه الوجدان الإنساني

عبد الرحمن ابورندة .. بنسلفانيا

 

عبد الرحمن أبو رندة .. بنسلفانيا

لم تظهر جماعة الإخوان المتأسلمين في التاريخ الحديث كحركة إصلاح أو تيار دعوي أسيء فهمه، بل كتنظيم أيديولوجي مغلق اتخذ من الدين غطاءً ومن العنف وسيلة، ومن الدولة ساحة اختبار لمشروع يقوم في جوهره على الهيمنة لا الهداية، وعلى الإخضاع لا الإقناع. خطورة هذه الجماعة لا تكمن فقط في ما ارتكبته من جرائم، بل في الطريقة التي شرعنت بها تلك الجرائم، حين ألبستها لباس القداسة، وحوّلت القتل والنهب والتعذيب إلى أفعال “مباركة” باسم السماء.

في التجربة السودانية، بلغ هذا التشويه ذروته. فالإخوان المتأسلمون لم يدخلوا الحكم بعقل الدولة، بل بعقل التنظيم السري، الذي يرى الوطن مرحلة، والشعب أداة، والدين رأسمالًا سياسيًا. منذ لحظة سيطرتهم على السلطة، لم يكن همّهم بناء مؤسسات أو ترسيخ عدالة، بل إحكام القبضة، وإعادة تشكيل المجتمع قسرًا وفق تصورهم الأحادي. الدولة تحولت إلى جهاز أمني ضخم، وظيفته حماية التنظيم لا خدمة المواطنين، بينما أُفرغت القيم الدينية من معناها الأخلاقي، واستُخدمت كشعارات تعبئة وتخويف.

لم تكن الممارسات القمعية في عهدهم نتاج فوضى أو أخطاء معزولة، بل سياسة ممنهجة. جرى تفكيك منظومة العدالة من الداخل، وتحويل القضاء إلى أداة طيّعة، والإعلام إلى منصة تزييف، والتعليم إلى وسيلة تدجين. أُعيد تشكيل أجهزة الدولة على أسس الولاء لا الكفاءة، وأُطلقت يد الأجهزة الأمنية بلا رقيب ولا محاسبة. في هذا المناخ، صار التعذيب ممارسة طبيعية، والاختفاء القسري وسيلة ردع، وإذلال الإنسان إجراءً روتينيًا.

الأخطر من ذلك أن الإخوان المتأسلمين لم يكتفوا بقمع الأفراد، بل عملوا على تفكيك النسيج الاجتماعي نفسه. غذّوا خطاب الكراهية، وأشعلوا النزعات الجهوية والعنصرية، واستثمروا في الانقسامات لإضعاف المجتمع ومنع تشكّل أي وعي جمعي مقاوم. كانت سياسة “فرّق تسد” جزءًا أصيلًا من عقيدتهم في الحكم، لأن المجتمع المتماسك يشكل خطرًا على أي سلطة شمولية.

ومع تراكم الجرائم، بدأت الحقيقة تفرض نفسها خارج حدود الخطاب الرسمي. تقارير دولية موثوقة كشفت، بالصورة والوثيقة، حجم الانتهاكات المرتكبة ضد المدنيين، خصوصًا في المناطق المهمشة. لم تعد الوقائع محل جدل سياسي، بل أصبحت أدلة دامغة على قتل ممنهج، واستهداف على أساس الهوية، وانتهاكات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية. هذه الأفعال لا يمكن تبريرها بمنطق “ظروف الحرب”، لأنها تعكس عقلية ترى في جزء من الشعب عدوًا داخليًا يجب سحقه.

وزاد من فداحة الأمر تواتر اتهامات باستخدام أسلحة محرّمة دوليًا، وهو ما يكشف درجة الانحدار الأخلاقي التي بلغتها هذه الجماعة. فحين تُستخدم أدوات الإبادة ضد مواطنين عُزّل، يسقط أي ادعاء ديني أو وطني. الدين، في جوهره، وُجد لحفظ الحياة والكرامة، لا لإباحتهما. وما فعله الإخوان المتأسلمون هو قلب هذه القاعدة رأسًا على عقب.

من هنا، فإن توصيف هذه الجماعة كتنظيم إرهابي ليس موقفًا انفعاليًا، بل توصيفًا يستند إلى تعريف واضح للإرهاب بوصفه ممارسة منظمة للعنف، مقرونة بتبرير أيديولوجي، وهادفة إلى إخضاع المجتمع. فالإرهاب لا يبدأ بالقنابل فقط، بل يبدأ حين يُختطف الوعي، وتُشيطن الضحية، ويُحوّل الدين إلى وقود للكراهية.

والمفارقة اللافتة أن هذه الجماعة، رغم كل ما امتلكته من أدوات قمع، فشلت في اللحظة الحاسمة في استنهاض أي سند شعبي حقيقي. سقط خطابها، وانفضّ من حولها الناس، لأن التجربة الطويلة كشفت زيف ادعاءاتها. لم يعد الدين الذي احتكرته يقنع، ولا الشعارات التي رفعتها تُحرّك وجدانًا أنهكته الخديعة.

إن سقوط الإخوان المتأسلمين في السودان لم يكن مجرد فقدان للسلطة، بل انهيارًا لمشروع كامل. مشروع قام على التلاعب بالمقدس، وعلى تحويل الدولة إلى أداة انتقام، وعلى تسويق العنف كفضيلة. هذا السقوط يمثل درسًا قاسيًا، لكنه ضروري، بأن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس العنف المجرد، بل العنف حين يتزيّن بلباس الدين.

واليوم، تصبح مسؤولية إدانة هذه الجماعة أخلاقيًا وسياسيًا جزءًا من معركة بناء المستقبل. فالتسامح مع من ارتكبوا الجرائم باسم القداسة هو تمهيد لتكرارها. أما المواجهة الواضحة، القائمة على كشف الحقيقة وتفكيك الخطاب، فهي الخطوة الأولى نحو دولة تحترم الإنسان، وتصون الدين من الاستغلال، وتمنع التاريخ من أن يعيد نفسه بصورة أكثر فظاعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!