رأي

مصر واتفاقية الدفاع المشترك 1976: بين سقوط السند القانوني وحدود السيادة السودانية

يعقوب التجاني المحامي

 

يعقوب التجاني المحامي

يثير تمسّك الحكومة المصرية باتفاقية الدفاع المشترك الموقعة عام 1976 مع السودان تساؤلات قانونية وسياسية عميقة، خاصة في ظل ما يشهده السودان من نزاع داخلي معقّد، وما يُنسب إلى القاهرة من مواقف وتدخلات تُفهم على أنها انحياز لطرف بعينه. والسؤال الجوهري هنا: هل تملك مصر، قانونًا، أي حق في الاستناد إلى تلك الاتفاقية للتدخل في الشأن السوداني؟ أم أن هذا التمسك يُخالف قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ويشكّل مساسًا بالسيادة الوطنية للسودان؟

للإجابة، لا بد من العودة إلى أصل الاتفاقية وسياقها التاريخي، ثم إخضاع نصوصها لقواعد التفسير القانوني المعتمدة دوليًا، بعيدًا عن المجاملة أو الانحياز السياسي.

أولًا: خلفية الاتفاقية وسقوطها السياسي

وُقّعت اتفاقية الدفاع المشترك عام 1976 بين الرئيس السوداني جعفر نميري والرئيس المصري محمد أنور السادات، في سياق إقليمي اتسم بالصراعات العربية–الإسرائيلية، وبمنطق الأحلاف الأمنية. غير أن هذه الاتفاقية، وفق الوقائع السياسية والقانونية، أُلغيت فعليًا في عام 1986 بقرار من رئيس الوزراء المنتخب الراحل الإمام الصادق المهدي، ضمن مسعى لاستعادة استقلال القرار الوطني السوداني وفك الارتباط بالأحلاف التي تُقيّد السيادة.

ورغم ذلك، لا تزال الحكومة المصرية تتمسك بالاتفاقية وكأنها سارية المفعول، وتلوّح بها لتبرير تدخلها في الشأن السوداني. وهنا يبرز التساؤل: حتى لو افترضنا – جدلًا – أن الاتفاقية لم تُلغَ، فهل تمنح مصر حق التدخل العسكري في نزاع داخلي سوداني؟

ثانيًا: أهداف الاتفاقية وحدودها

تنص ديباجة الاتفاقية بوضوح على أن هدفها هو تنسيق جهود البلدين لحماية أمنهما وسلامتهما في مواجهة التحديات التي تتعرض لها الأمة العربية، وذلك على غرار معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول جامعة الدول العربية لعام 1950. وهذه المعاهدة بدورها استلهمت فلسفتها من أحلاف الأمن الجماعي، وعلى رأسها حلف شمال الأطلسي، والتي تقوم على مبدأ واضح: العدوان الخارجي على دولة يُعد عدوانًا على باقي الدول الأعضاء.

بمعنى أدق، فإن الاتفاقية لا تتناول النزاعات الداخلية، ولا تمنح غطاءً للتدخل في الحروب الأهلية، بل تحصر نطاقها في حالة العدوان الخارجي الواقع من دولة على دولة أخرى.

ثالثًا: نص المادة الأولى والتفسير القانوني

جاء في المادة الأولى من اتفاقية الدفاع المشترك بين السودان ومصر أن أي اعتداء مسلح يقع على أحد البلدين أو على قواتهما المسلحة يُعد اعتداءً عليهما معًا، ويُفعَّل حق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي وفقًا لميثاق الأمم المتحدة وميثاق جامعة الدول العربية، بما في ذلك استخدام القوات المسلحة لرد العدوان.

وعند تفكيك هذا النص قانونيًا، نجد أنه يشترط شرطين أساسيين لا قيام للحق بدونهما:

أولًا، وجود عدوان مسلح حال أو وشيك الوقوع.

ثانيًا، أن يكون هذا العدوان خارجيًا صادرًا عن دولة أخرى.

وهذان الشرطان ليسا اجتهادًا سياسيًا، بل مستمدان من ميثاق الأمم المتحدة ذاته، الذي تخضع له جميع الاتفاقيات الثنائية والإقليمية.

رابعًا: مفهوم العدوان في القانون الدولي

عرّف القانون الدولي العام العدوان بأنه استخدام القوة المسلحة من دولة ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي. وقد نصت المادة 4/2 من ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945 على امتناع الدول عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة.

كما أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا التعريف في القرار رقم 3314، الذي اعتبر العدوان جريمة دولية تهدد السلم والأمن الدوليين، ولا يتحقق إلا عندما يكون الفعل صادرًا من دولة ضد دولة.

خامسًا: توصيف الحرب في السودان

بناءً على ما سبق، يصبح السؤال الحاسم: هل ما يجري في السودان حرب عدوان خارجي؟ الإجابة القانونية الواضحة هي النفي. فالحرب الدائرة ليست اعتداءً من دولة أجنبية على السودان، وإنما نزاع داخلي تفجّر نتيجة صراع على السلطة داخل بنية الدولة نفسها.

وعليه، فإن هذا النزاع يخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني الخاصة بالنزاعات غير الدولية، وتحديدًا اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الثاني، ولا يرتقي بأي حال إلى مستوى الحرب الدولية التي تبرر تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك.

سادسًا: بطلان أي تدخل مصري

بما أن شرط العدوان الخارجي غير متوفر، فإن أي استناد مصري إلى اتفاقية 1976 يُعد باطلًا قانونًا، ويمثل تدخلًا سافرًا في الشأن الداخلي السوداني، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة. الأخطر من ذلك أن أي تدخل من هذا النوع قد يُفسَّر على أنه دعم لطرف متهم بارتكاب انتهاكات جسيمة، بما في ذلك رعاية الإرهاب واستخدام أسلحة محرمة، وهي اتهامات موثقة دوليًا.

إن التناقض يصبح فاضحًا حين تحارب مصر الإرهاب داخل أراضيها، بينما تُتهم بدعمه أو التغطية عليه في السودان خدمةً لمصالح إقليمية ضيقة، وعلى حساب إرادة الشعب السوداني وحقه الأصيل في تقرير مصيره واختيار نظام حكمه.

خاتمة: السيادة خط أحمر

إن اتفاقية الدفاع المشترك، سواء أُلغيت رسميًا أم لا، لا تمنح مصر أي حق قانوني أو أخلاقي للتدخل في السودان. فالنزاع القائم شأن داخلي، والسيادة السودانية ليست محل وصاية. وأي محاولة لفرض الوصاية تحت ذرائع قانونية واهية لن تؤدي إلا إلى تعقيد الأزمة وتعميق معاناة الشعب.

إن احترام ميثاق الأمم المتحدة، والالتزام بالقانون الدولي، والاعتراف بحق السودانيين في تقرير مصيرهم، هي الطريق الوحيد نحو سلام حقيقي. أما التمسك باتفاقيات فقدت سندها السياسي والقانوني، فلن يكون سوى عدوان مرفوض، يُسجَّل في خانة الانتهاك لا الشراكة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!