رأي

حين تُهدر التضحيات: العمل السياسي في الدعم السريع بين العجز والتواطؤ

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

لنكن أكثر صراحة، بل أكثر قسوة مع الذات قبل الخصوم: ما يجري اليوم داخل منظومة الدعم السريع على مستوى العمل المدني والسياسي لا يمتُّ بصلة إلى حجم التضحيات الهائلة، ولا يوازي إطلاقًا ما يُبذل من دماء ومعاناة وصمود في الميدان العسكري. إننا أمام مفارقة أخلاقية وسياسية فادحة؛ مقاتلون يخوضون معارك وجود، بينما يُدار الظهر سياسيًا لتضحياتهم، وكأن الدم لا يستحق مشروعًا، وكأن الفداء لا يحتاج إلى رؤية.

إن أي نضال عسكري، مهما بلغ من الشجاعة والبسالة، إذا لم يُسند بعمل سياسي مدني موازٍ، واعٍ، منفتح، ومؤسس على مشروع تغيير حقيقي، فإنه محكوم عليه بالضياع. والتاريخ، القريب والبعيد، لا يرحم السذج ولا الغافلين. فالبندقية التي لا تحرسها السياسة، تتحول عاجلًا أو آجلًا إلى عبء على أصحابها، وتصبح دماء الشهداء مجرد أرقام في أرشيف الخسارات.

الأخطر من ذلك، أن الصمت المريب لشركاء الدعم السريع، سواء كانوا حلفاء سياسيين أو قوى ادّعت يومًا الوقوف في خندق التغيير، يكشف عن حالة تواطؤ أو عجز أو خوف من قول الحقيقة. هذا الصمت لا يمكن تفسيره بالحياد، لأنه في لحظات التحول الكبرى، الصمت موقف، وغالبًا ما يكون موقفًا ضد التغيير.

المشكلة الجوهرية أن العمل السياسي داخل الدعم السريع لا يزال يُدار بعقلية مغلقة، تفتقر إلى الخيال السياسي، وتعجز عن إحداث أي اختراق حقيقي في جدار العزلة الداخلية والخارجية. عقلية ترى السياسة كغرفة مغلقة، لا كفضاء عام، وتتعامل مع الفكرة كتهديد، لا كفرصة. وبهذا المنطق، يصبح أي نقد خيانة، وأي اختلاف مؤامرة، وأي كفاءة مستقلة خطرًا يجب إقصاؤه.

ولعل من أخطر ما يجري هو التعتيم المتعمد على القائد العام لقوات الدعم السريع، ومحاولات حثيثة لطمس الحقائق، وحجب المعلومات، وصناعة واقع مُفلتر، لا يعكس حقيقة المزاج العام ولا حجم التحديات. إن من يعتقد أن حجب الحقيقة يحمي القيادة، فهو واهم؛ لأن الحقيقة حين تُقمع، تنتقم، وحين تُخفى، تظهر في أكثر صورها قسوة.

الأدهى أن مشروع الدعم السريع، بشقيه العسكري والسياسي، أصبح في بعض مفاصله مُختطفًا من قِبل أشخاص قصار نظر، محدودي الخبرة، يتعاملون مع السياسة بذهنية “شركة تجارية”، لا بعقل الدولة ولا بروح الثورة. أشخاص يُديرون التحالفات بمنطق الربح والخسارة السريعة، لا بمنطق التراكم التاريخي، ويبنون القرارات على المصالح الضيقة لا على الرؤية الوطنية.

وبحكم محدودية قدراتهم، يسعون دومًا لإبعاد الكفاءات الحقيقية، وأصحاب الرأي المستقل، وكل من يمكن أن يشكّل إضافة نوعية. لأن وجود الكفاءات يفضح العجز، ويفرض أسئلة لا يملكون لها إجابات. وهكذا تتحول المؤسسات السياسية إلى دوائر مغلقة، يسيطر عليها الولاء الأعمى بدل الكفاءة، والسمع والطاعة بدل التفكير النقدي.

حتى التظاهرات والأنشطة الجماهيرية، التي يفترض أن تكون تعبيرًا حرًا عن نبض الشارع، تُدار اليوم بذات عقلية النظام البائد: تنظيم فوقي، شعارات مصنوعة، وحشود تُستدعى لا لتصنع القرار بل لتجميله. وكأننا لم نتعلم شيئًا من ثورة ديسمبر، وكأننا نعيد إنتاج أدوات القمع نفسها ولكن بأسماء جديدة.

الأخطر والأكثر فتكًا بالمشروع، هو الوجود الكثيف لعناصر الفلول داخل بعض هذه المؤسسات. عناصر لم تنضم إلى مشروع التغيير عن قناعة، بل بدوافع نفعية، أو حسابات شخصية، أو انتماءات عنصرية وعشائرية. هؤلاء لم يغيّروا جلدهم، بل غيّروا مواقعهم فقط. وهم اليوم يمثّلون سرطانًا حقيقيًا داخل جسد الدعم السريع، لأنهم لا يؤمنون بفكرة التغيير من الأساس، بل يعملون على تفريغها من مضمونها.

لا يمكن أن نؤسس لمشروع تغيير حقيقي بأدوات تمثل قوى الردة. لا يمكن أن نحارب دولة الاستبداد بعقليتها. ولا يمكن أن نبني سودانًا جديدًا بعناصر تخاف من الديمقراطية، وتكره الشفافية، وتعيش على الفوضى. هذه معادلة خاسرة مهما طال الزمن.

إن المطلوب اليوم ليس تجميل الواقع، ولا صناعة خطاب دعائي، بل مواجهة الحقيقة بجرأة. المطلوب إعادة بناء العمل السياسي والمدني داخل الدعم السريع من جذوره، على أسس واضحة: الانفتاح، الشفافية، الكفاءة، والمساءلة. غير ذلك، ستظل التضحيات العظيمة في الميدان العسكري مهددة بأن تذهب هباءً منثورًا، وسيسجل التاريخ أن الفرصة ضاعت، لا لقلة الشجاعة، بل لسوء الإدارة، وضيق الأفق، وخيانة الفكرة.

والتاريخ، مرة أخرى، لا يرحم.

ولن نصمت بعد اليوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!