تحديات التأسيس. رسالة مفتوحة الى السيد رئيس التحالف ونوابه واعضاءه بمناسبة اجتماع الهيئة القيادية المرتقب. إحذروا البندقية العمياء! هل نحن تحالف “حركة تحرر” أم مشروع “جلابة جدد”؟
مجدي محمد مصطفي ماكن

مجدي محمد مصطفى ماكن
مقدمة:
بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا 2005، واستلام الحركة الشعبية حكم جنوب السودان كاملا. ظل الكاتب السوداني الجنوبي المتميز المرحوم الفريد تعبان، يكتب ويذكر القادة بمبادئ السودان الجديد القائمة علي الحرية والسلام والعدالة، والديمقراطية والفيدرالية.
رد عليه أحد الجنرالات الذين ضايقتهم هذه النصائح قائلا، انتو دايرين شنو؟ مش كفاية “نحن حررناكم”.
ما من شك أن انتكاسة مشروع السودان الجديد في جنوب السودان واشتعال الحرب مرتين هناك كان أحد أسبابه هو تغول أفكار وأمراض السودان القديم الاقصائية المدمرة، ووصولها الى دوائر صنع القرار في الدولة الوليدة. ما أدى الى ما نراه اليوم في جنوب السودان، بلد تائه، معلق في النص لا طلع سماء عدالة مباديء السودان الجديد، و لا غرق في الفوضى زي السودان القديم.
اهلنا قالوا العاقل من يتعظ بغيره.
لا يجادل أحد في أن حرب 15 أبريل كانت، في جوهرها الحقيقي عباره عن انفجار حتمي لتناقضات “دولة 56”.
تلك الدولة التي تأسست على احتكار العنف، واحتكار الموارد، و احتكار السلطة، واحتكار الهوية، واستخدمت أطراف السودان كوقود لمحارقها، ونشر الكراهية
والبغضاء باسم العروبة والإسلام لسبعة عقود كاملة. بالاضافة الى اعتمادها سياسة صناعة الفلنقايات وصناعة الرموز التضليلية وتمومة الجرتق، كمنهج لإدارة التنوع والاختلاف. وحين قررت قوات الدعم السريع الخروج من عباءة “الأداة” والتمرد على “المُشغّل” القديم، وانحازت لخيار “السودان الجديد”، القائم على الحرية والسلام والعدالة، كان ذلك موقفاً تاريخياً يستحق الدعم والإسناد. لذا ساندها الأحرار من السودانيين دون تردد منذ الطلقه الأولى عندما تعرضت للإعتداء في المدينة الرياضية. ساندوها متجاوزين تاريخها من الانتهاكات، و مرحبين بها كفاعل أساسي في بناء مشروع السودان الجديد. جميعنا نعرف بانه لولا تمسك الد.عم السر.يع بالحرية السلام و العدالة لما اختلف معه جيش البازنقر و الكيزان، و لما قامت الحرب.
إن دعم هذا “الخيار الاستراتيجي” و الانحياز الشجاع للحق و العدل الذي اتخذه القائد محمد حمدان دقلو موسى، لا يعني – بأي حال من الأحوال – الصمت عن “الأعطاب الداخلية” التي تهدد بنسف المشروع برمته من الداخل، قبل أن تهزمه ترسانة العدو “جيش البازنقر”.
نحن اليوم أمام لحظة مكاشفة قاسية لا تحتمل المجاملة. لذا ندعو الهيئة القيادية للتحالف للإجابة على سؤال مهم. سؤال لابد من الإجابة عليه. و هو ، هل تخوض كل البنادق المرفوعة داخل “تحالف تأسيس” و”الد.عم السر.يع” نفس الحرب؟ أم أننا أمام حربين متناقضتين في خندق واحد؟
فخ “الاستبدال” لا “التغيير”
المأزق الأخطر الذي يواجهنا في مشروع التأسيس اليوم هو وجود تيارات و مراكز قوى لا يزال عقلها السياسي محبوساً في “التركة الثقيلة” للدولة القديمة. هؤلاء لا يقاتلون لتفكيك “دولة الامتيازات”، بل يقاتلون لانتزاع الإمتيازات والاحتفاظ بها لأنفسهم.
إن مشروع “السودان الجديد” قائم على فكرة بسيطة وعميقة. المواطنة هي المعيار الوحيد. لا فضل لعربي على نوبي، ولا لغرابي على نيلي، والقانون فوق الجميع.
لذا لن نسمح لأي كان، سواء كان يحمل بذور العروبة الاستعلائية الاحتكارية الشريرة، و يحلم بأوهام فشل في تحقيقها أعراب النهر والبحر. أو سواء كان يحمل بذور و تيراب الأفريقانية الانتقامية الشريرة، أن يمتطوا اخر فرص السودانيين للوصول الى دولة القانون والعدالة، من أجل أهدافهم المدمرة.
ما نراه اليوم من بعض الممارسات، من عدم مؤسسية، مقرونا بالعجز الواضح في ترجمة هذا التحالف الى واقع وأنزاله الى الارض، الى القواعد، بدل ان يظل تحالف فوقي نخبوي، يؤكد ان ذلك ليس جهلا بأهمية هذا الامر، بقدر ما هو تجاهل متعمد من بعض القوى النافذة التي تعتقد بأن الحرب غنيمة، او تتهرب من استحقاق المصالحة التاريخية، و تنظر لسقوط دولة “الجلابة” (كما يسمونها) كفرصة لتأسيس دولة “القبيلة” أو “الشلة”، أو “الجلابة الجدد” لكن على انغام السودان الجديد.
هذا ليس تحريراً؛ هذا “إعادة تدوير للقهر”. إن استبدال هيمنة عرقية بهيمنة عرقية أخرى ليس ثورة، بل هو وصفة مؤكدة لحرب أهلية لا تنتهي. العالم لن يقبل بذلك، والسودانيون لن يقبلوا باستبدال “كيزان الجلابة و الإسلام السياسي” بـ “كيزان القبيلة”. و شلليات المصالح.
عقيدة “الغنيمة” مقابل عقيدة “الدولة”
لقد ورث الدعم السريع حاضنة اجتماعية بدوية ظلت الدولة المركزية تفقرها وتجهلها لتستخدمها كبندقية للإيجار، حيث كانت “الغنيمة” هي الراتب، والفوضى هي العقيدة. اليوم، وبينما تطرح القيادة السياسية شعارات بناء الدولة الفيدرالية والمؤسسات، يصطدم هذا الخطاب بواقع مرير على الأرض: مجموعات وتكتلات عسكرية لا تزال تتحرك بدافع “الفزعة” والغنيمة، لا بدافع التحرير والبناء. بينما لا يوجد أي عمل للجم تلك المجموعات سواء بالتوعية او بالحسم العسكري.
في ظل تواطوء مريب،
فلا يعقل ان تسجن فلنقاي مدني ضعيف، ظل موجود في الفاشر لانه يعيش في خوف و رعب من دعاية “الجنجويد ” أي تحت تأثير دعاية الإستخبارات العسكرية، بحجه مساندته للجيش، بينما لا يجروء احد على الاقتراب من موسى هلال الذي يقاتل أبناءه و أهله الاقربين مع جيش البازنقر عينك يا تاجر ، و ظلت عناصره تمد الجيش بالذخائر و الإمداد في الفاشر على مدى أكثر من عامين. و كل الذين هربوا من الفاشر هربوا بمساعدته!.
هذه المجموعات، التي تمارس التفلتات وتعتبر ممتلكات المواطنين “حلالاً”، كما ظلت تقول لها الاستخبارات العسكرية منذ 50 عاما او يزيد ، هي “الطابور الخامس” الحقيقي داخل وخارج مشروع تأسيس السودان الجديد.
إنهم يقدمون لبرهان وفلول النظام البائد أعظم هدية مجانية: يقدمون “الشرعية الأخلاقية” للمقاومة. فمهما كان مشروعك السياسي عادلاً، سيسقط عند أول حاجز تفتيش ينهب هاتف مواطن باسم “التأسيس” أو بإحتجاز مواطن بالتواطؤ مع مجموعات داخل تأسيس تؤثر القبيلة على القانون.
ضرورة “الفرز الأيديولوجي”
إن المعركة الحقيقية الآن ليست في “شندي” أو “الدبة”، بل داخل “العقل السياسي” لقوات التأسيس. التحالف بحاجة ماسة لما يمكن تسميته بـ “الثورة المؤسسية الداخلية”. لا يمكن بناء جيش وطني مهني بمجموعات
تدين بالولاء للقبيلة أكثر من المشروع الوطني.
كما لا يمكن بناء مشروع وطني في ظل التواطؤ على الغنيمة كما ظل يفعل نخب دولة 56.
مسئولية شرح المشروع الوطني، و مسئولية التصدي للتواطؤ و المتفلتين من أبناء القبائل العربية الذين مازالوا متأثرين بنظرية الاستخبارات العسكرية القديمة “الزرقة غنيمة”، من أولى و أهم واجبات قيادة تأسيس، خصوصا المنحدرين من العناصر العربية. فلا يستقيم الظل و العود أعوج.
على القيادة المؤمنة بالتغيير، على رأسهم السيد القائد ونائبة ورئيس الوزراء والقوى المدنية المتحالفة معهم (التي آثرت الصمت المريب)، أن تدرك أن زمن “التسويات الداخلية” قد انتهى. لا بد من عملية فرز حقيقية. من يحمل السلاح لتأسيس دولة القانون والمواطنة فهو “رفيق درب” ومؤسس يستحق الاحترام و الدعم ، ومن يحمل السلاح لفرض هيمنة قبلية أو لتحقيق مكاسب ذاتية، فهو “قاطع طريق” يجب بتره، كائناً من كان، ومهما كان ثقله القبلي.
و من المهم ان نعرف جميعا بان شعب السودان الحر ، المتطلع لبناء دولة الحرية و السلام و العدالة لن ينتظر من أحد كان حتى 14 ابريل 2023 مجرد فلنقاي تابع، يحركه ضابط استخبارات، ان يقول لهم “نحن حررناكم”.
ختاماً
إن التاريخ لا يرحم، والفرص التاريخية لا تتكرر. لقد نجحنا في كسر شوكة أعتى ديكتاتورية عسكرية دينية، بفضل تضحيات و ثبات و جسارة أشاوسنا الأبطال، فلا يجب ان نسمح بأن تهزمنا “أمراض موروثه من دولة فاشلة” أو أطماع “أمراء الحرب” الصغار.
مشروع السودان الجديد ليس شعاراً يُكتب في البيانات؛ إنه سلوك، وانضباط، وتسامي فوق الجراحات الصغرى لصالح الوطن الأكبر.
تحالف تأسيس إما أن يتحول إلى “مؤسسة وطنية” ببوصلة أخلاقية صارمة، أو ستأكلنا رمال المتحركات التي بلا رأس، ونصبح مجرد فصلٍ دامي آخرين في كتاب “الدولة الفاشلة”.
مازال الخيار بأيدينا!
والبندقية التي لا تملك “عيناً سياسية” تُبصر، ستقتل صاحبها حتماً.




