
مؤيد الأمين
ليس أخطر ما أصاب السودان الحرب، بل العقلية التي جعلت الحرب وسيلة مشروعة لاستعادة السلطة. فمنذ انقلاب عام 1989، تأسس مشروع الإسلامويين في السودان على منطق سياسي يرى أن بقاء التنظيم يتقدم على بقاء الدولة، وأن السيطرة على الحكم تسبق كل قيمة أخرى؛ العدالة، والقانون، والوطن، وحتى حياة المواطنين.
قد لا تكون عبارة “الغاية تبرر الوسيلة” نصًا حرفيًا في فكر ميكافيلي، لكنها أصبحت الوصف الأدق لمنهج سياسي يجيز استخدام كل الأدوات إذا كانت تقود إلى السلطة أو تحافظ عليها. وهذا المنهج لم يبق نظرية في السودان، بل تحول إلى ممارسة يومية أعادت تشكيل الدولة والمجتمع.
بدأ ذلك بانقلاب أطاح بالنظام الدستوري، ثم أعقبه تفكيك مؤسسات الدولة وإحلال الولاء التنظيمي محل الكفاءة. أُعيد تشكيل القوات النظامية والأجهزة الأمنية وفق اعتبارات سياسية، وأُضعفت الخدمة المدنية، وتحولت الدولة إلى أداة في يد المشروع الحزبي، لا إلى مؤسسة تخدم جميع السودانيين.
وخلال العقود التالية، دخل السودان في دوامة متصلة من النزاعات المسلحة والاستقطاب السياسي. انتهت الحرب الأهلية الطويلة بانفصال جنوب السودان عام 2011، وهو حدث مثّل أكبر خسارة جغرافية وسياسية في تاريخ البلاد الحديث. ثم تواصلت النزاعات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، بينما ظل منطق المواجهة والإقصاء يتقدم على منطق التسوية الوطنية.
في هذا السياق، تصبح الدولة مجرد وسيلة، لا غاية. ويتحول المواطن إلى وقود في معركة النفوذ. وعندما يُختزل الوطن في مشروع أيديولوجي، يصبح انهيار الاقتصاد، وتمزيق المجتمع، ونزوح الملايين، وانقسام البلاد، أثمانًا يمكن التعايش معها إذا كانت تفتح الطريق نحو الحكم.
إن ما يعيشه السودان اليوم من حرب مدمرة وانهيار إنساني غير مسبوق لا يمكن، في أي قراءة سياسية جادة، فصله عن إرث طويل من عسكرة السياسة، وإضعاف المؤسسات، وتقديم الولاء التنظيمي على المصلحة الوطنية. وتذهب تحليلات سياسية عديدة إلى تحميل الحركة الإسلامية السودانية نصيبًا كبيرًا من المسؤولية عن هذا الإرث، في حين تختلف أطراف أخرى في تقدير حجم تلك المسؤولية، لكن الثابت أن نتائج هذا المسار كانت كارثية على الدولة والمجتمع.
أخطر ما في هذا المنهج أنه لا يعترف بفكرة الوطن بوصفه قيمة مستقلة. فالوطن، وفق هذه العقلية، يكتسب قيمته بقدر ما يخدم المشروع السياسي. فإذا تعارضت مصلحة السودان مع مصلحة التنظيم، تُقدَّم مصلحة التنظيم. وإذا احترقت المدن، أو تشرد الملايين، أو انهارت مؤسسات الدولة، فإن ذلك لا يُنظر إليه باعتباره فشلًا أخلاقيًا، بل تكلفة سياسية يمكن احتمالها.
والتاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تسقط فقط تحت القصف، بل تسقط عندما يُستبدل الضمير الوطني بعقلية التنظيم، وعندما تتحول السلطة إلى عقيدة، ويصبح الوطن مجرد رهينة في معركة لا تنتهي. ولن يخرج السودان من أزمته إلا عندما تُهزم هذه العقلية، ويُعاد بناء السياسة على أساس المواطنة وسيادة القانون، لا على قاعدة أن السلطة غاية تبيح كل وسيلة.




