

هــــــــــل يدفـــــــع رئيــــــــــس الـــــــــــوزراء الجــــديد ثمن شعــــــارات زائفـــــــة وماضٍ لم يُــــــدفـــــن؟
فـــــــي لحـــــــــــظة فارقة من تاريخ السودان الحديث، يقف الشعب على أطلال وطنٍ أنهكته الحروب، وامتصت قواه صراعات المصالح، وتُطل من بعيد بارقة أمل بتشكيل حكومة انتقالية جديدة. ولكن الأمل لا يكفي، إذ يبدو أن رئيس الوزراء الجديد دخل باكرًا في متاهة التعقيدات القديمة، وأنه يُدفع
نحو خيارين أحلاهما مُر: إمـــــا الرضـــــوخ لتوازنات القـــــوة المريضة، أو المغامـــــــرة بتحدّيهـــــا في واقــــع ملـــــــغوم.
الكــــــــرامة… قنـــــاعٌ لم يعد يخـــــفي شيــــــئًا
تُرفع في المشهد السوداني لافتات “الكرامة الوطنية” و”الســـــــيادة”، لكنها شعارات باتت تُستخدم كأقنعة لتمرير أجندات ضيقة. فمتى كانت الكرامة تُبنى فوق رماد المدن؟ ومتى أصبحت السيادة تُمارس على أنقاض المستشفيات والمدارس؟
إنّ مـــــــــن يتمسكون بمناصبهم وسط هذه الكارثة، لا يحمون الكرامة، بل يدوسونها. الكرامة الحقيقية تبدأ حين يتنازل المتنفذون طـــوعًا لصالح من هم أكثر كفاءة، وأكثر نزاهة، وأكثر قربًا من هموم الشعب لا من دوائر السلطة.
الحـــــــــركات المــــسلحة… من شركاء السلام إلى أمـــــــراء المــــــــــحاصصة
ما يُقلق في المشهد الراهن هو تصاعد ضغوط ما يُعرف بـ”الحركات الكفاحية”، التي تحوّلت من شركاء في اتفاق السلام إلى أطراف تُفاوض على حساب مبدأ المواطنة، وتدفع نحو محاصصة مريبة تقسم الوزارات كما تُقسم الغنائم.
هذا الميل نحو توازنات القوة لا نحو الكفاءة، يُنذر بتكرار المأساة نفسها، بل وتعميقها: مزيد من التهميش، المزيد من التوتر، ومزيد من الابتعاد عن الدولة المدنية الحديثة.
شبــــــــح الإسلامــــــــيين… يعـــــود مــــن بــيـــن الحــــــطام
لا يمكن تجاهل الحديث المتصاعد حول عودة “الحركة الإسلامية المزعومة” إلى مراكز النفوذ من خلف الستار. هذا التيار الذي لفظه الشارع في ثورته، يحاول اليوم إعادة تدوير رموزه داخل الحكومة الجديدة، وكأن شيئًا لم يكن.
إن عودة هؤلاء، ولو عبر بوابات خلفية، ليست مجرد خيبة أمل… بل هي إهانة مباشرة لدماء الشهداء،”””” ثورة ديسمبر المجيدة “”“”ومصادرة علنية لتطلعات الشعب السوداني
تعـــــيينــــات مــــحتــــرقــــة… وسجــــــلات مــــثقلـــة بالخــــــيانة
تتردد أسماء في كواليس التشكيل الحكومي، حُرقت ماضيًا في ساحات الفشل، وأدانت نفسها بسجلها.
كيف يمكن إعادة تعيين من شارك في إفساد المرحلة الانتقالية السابقة؟ من صمت حين استبيحت دماء الشباب؟
إنها ليست أخطاء فردية، بل مؤشرات على رغبة عميقة في إعادة إنتاج الفساد بوجوه قديمة.
حـــــــكومــــــة شكـــــلية… أم مـــــشـــــروع وطني حـــــــــــقيــــــقي؟
السؤال الجوهري الذي يدور الآن في مجالس السياسة وأذهان المواطنين هو:
هل ستكون الحكومة القادمة حكومة كفاءات مستقلة تمثّل تطلعات الشعب؟ أم مجرد غلاف مدني هش، يُدار من خلفه التمكين الجديد؟
وهل رئيس الوزراء الجديد يمتلك الإرادة الكافية لتفكيك هذه الألغام؟ أم أن سقف صلاحياته أقل من طموحات الناس بكثير؟
لا كـــــــرامة في التمـــــكين… ولا مـــــجد في الصمت
حين يُقتل الحُلم، وتُختطف الثورة، ويُعيَّن من لا يستحق… يصبح السكوت خيانة.
الكرامة لا تعني أن تتشبّث بمنصبك بينما الوطن يُنهب، ولا تعني أن تتصدر مشهدًا لم تُساهم في بنائه.
الكـــــــــرامة تعني أن تترك المكان لمن هو أحق، وأن تُقر بأن الوطن أغلى من الكرسي، وأكبر من الحسابات الضيقة.
بــيـــن الأنقـــــــاض… صـــــــوت الشعـــــب لا يمـــــــوت
من بين أنقاض المدن ودموع الأمهات، تتردد الحقيقة:
“لا كــــــــــرامة في القتل، ولا وطنية في التشريد، ولا سيادة تُبنى على حساب الإنسان.”
لقد سقطت الأقنعة، وبات كل من يتاجر بالشعارات، شريكًا في الجريمة السياسية الكبرى التي يُرتكب اسمها “الإنقاذ الجديد”.
فإما نــــــهــــضة… أو تكـــــرارٌ ممــــــيت للــــــتاريخ
إنّ السودان في مفترق طرق، وتشكيل الحكومة القادمة هو الاختبار الحقيقي لمَن يزعم تمثيل الشعب.
فإما أن يُكتب التاريخ بدماء جديدة من الكفاءة والمصداقية، أو يُعاد استنساخ الفشل، ونعود لدائرة الخراب بلا نهاية.
الشعب لن يصمت طويلًا. فكما أسقط ديكتاتوريات بالصدور العارية، هو قادر أن يسقط كل من يستهين بوعيه.
وإلى أن يصدق الفعل ما تعد به الشعارات… ستبقى الكــــــرامة كلمة جوفاء تُستعمل فقط على المنابر، لا في الواقع السوداني وشعبه
بين أنقاض المدن ووجوه الأمهات الباكيات، تظل صرخة الشعب السوداني المدويّة تتجاوز كل الشعارات، مطالبةً بوطنٍ يرتقي لتضحياته، لا يتاجر بآلامه




