
أبو عبد الله الراشدي
في لحظة فارقة من تاريخ السودان،كان البلد على شفا فرصة حقيقية لإنهاء الحرب واستعادة الأمل لشعبه المثقل بالمعاناة. لكن، كما يبدو اليوم، اختار الفريق أول عبد الفتاح البرهان أن يغلق الباب أمام أي سبيل للسلام، ليس نتيجة تعثّر تفاوضي أو اختلاف على تفاصيل، بل قرارًا واعيًا ومقصودًا لإدامة الحرب واستمرار معاناة المواطنين.
توالت المبادرات الدولية والإقليمية، من قمة إيغاد إلى مبادرة الرباعية الدولية، التي طرحت وقفًا شاملاً لإطلاق النار، هدنة إنسانية، ومسارًا سياسيًا يقود إلى حكومة مدنية. كانت فرصة نادرة لإيقاف نزيف الحرب، لكن البرهان رفضها. والسبب ليس نقص المبادرة أو عدم جدواها، بل أن السلام الذي لا يعيد إنتاج السلطة القديمة ويستبعد المؤتمر الوطني من أي حكومة مستقبلية لم يكن مقبولًا له أو للجهات التي تقف خلفه.
الحقائق واضحة: أحد الأسباب الجوهرية لرفض البرهان هو رفض أي مسار سياسي يقصي النظام البائد وحزب المؤتمر الوطني. السلام الحقيقي، كما طُرح في كل المبادرات، يعني نهاية الوصاية العسكرية على السياسة وإغلاق الباب نهائيًا أمام عودة الإسلاميين الذين أشعلوا الحروب وأوصلوا السودان إلى حافة الانهيار. وهذا ما لم يكن مقبولًا لدى تحالف المصالح الذي يرى في استمرار الحرب فرصة لإعادة تدوير النظام البائد تحت شعار “الدفاع عن الدولة”.
الأساليب المستخدمة لعرقلة السلام كانت مكشوفة: المماطلة بحجج السيادة، التأخير بذريعة حل قوات الدعم السريع، والرفض بحجة عدم جاهزية الظروف. كل هذه الحجج كانت مجرد ستار لإخفاء الحقيقة: أي سلام لا يمنح النظام البائد موطئ قدم، فهو مرفوض. حتى شرط تفكيك الدعم السريع كان ورقة تعطيل تُرفع في العلن، بينما تُدار الحرب في الخفاء بطريقة تضمن استمرار الفوضى وإبقاء السودان رهينة.
نتيجة ذلك دفع الشعب السوداني الثمن الأكبر: معاناة يومية، نزوح وتشريد، انهيار اقتصادي، وضياع جيل كامل. كل يوم إضافي للحرب يعني فرصة جديدة للنظام البائد لاستعادة النفوذ، وسحب الأمل من يد المواطنين.
التاريخ سيكتب أن الحرب في السودان لم تستمر لأن السلام مستحيل، بل لأن السلام كان مرفوضًا من قِبل من يخشون فقدان نفوذهم. سيكتب أن السودان لم يُهزم في الميدان، بل خُذل في القرار، وأن استمرار الحرب كان خيانة متعمدة لوطن أُنهك، وشعب تُرك بلا حماية.
السلام ليس ضعفًا، بل شجاعة سياسية. أما الإصرار على الحرب فهو إعلان صريح بأن الوطن أصبح رهينة لمصالح النظام البائد وأدواته. وفي هذه اللحظة الفارقة من تاريخ السودان، سيبقى اسم البرهان مرتبطًا بخيار رفض السلام وبالخيانة الكبرى التي أغرقت البلاد في حرب بلا أفق.




