رأي

السودان وإثيوبيا بين منطق المصالح وكلفة التصعيد

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

في أدبيات العلاقات الدولية خاصة المدرسة الواقعية التي تُنسب إلى أعمال مثل “لعبة الأمم” وأدبيات السياسة الواقعية لا تُقرأ سلوكيات الدول من زاوية العواطف أو الخصومات التاريخية بل من زاوية حسابات المصلحة وكلفة البقاء. فالدول في نهاية المطاف تتحرك ضمن ما تتيحه لها ظروفها الداخلية والإقليمية لا ضمن ما تمليه الانفعالات اللحظية أو ردود الفعل المباشرة.

وفي هذا السياق يصبح التصعيد بين السودان وإثيوبيا أقل قابلية للفهم إذا أُخذ بمعزل عن كلفته الاستراتيجية على الطرفين وأكثر قابلية للتفسير إذا نُظر إليه كجزء من بيئة إقليمية معقدة تجعل من التعاون وإدارة التوازنات خياراً أكثر عقلانية من المواجهة المفتوحة حتى في لحظات التوتر الحاد.

لا يمكن فهم التصعيد الأخير بين السودان وإثيوبيا والمُبرر رسمياً بملف المسيّرات بل هو امتداد لتشابك أعمق بين ملفات الحدود والمياه والتحالفات الإقليمية وصراعات الداخل السوداني نفسها.

في مثل هذا السياق يصبح السؤال المركزي ليس ماذا حدث بل لماذا يحدث الآن ولمن يخدم هذا المسار.

المسيّرات كأداة لإعادة تعريف الصراع.

إدخال ملف المسيّرات في الخطاب الرسمي يمثل تحولاً نوعياً في طبيعة التوتر بين البلدين من نزاع حدودي تقليدي إلى اتهامات بتدخل عسكري غير مباشر عبر أدوات حديثة للحرب.

لكن أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في الجانب الأمني بل في كونه يعيد رسم الإطار السياسي للصراع ويضعه في خانة أوسع من مجرد خلاف ثنائي.

آبي أحمد وما بعد الثورة بين التفاؤل وإعادة التموضع.

في مرحلة ما بعد سقوط نظام البشير برز رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد كأحد أكثر الفاعلين الإقليميين حضوراً في المشهد السوداني الانتقالي بل يمكن اعتباره من أكثر القادة الإقليميين الذين حظوا بترحيب رمزي داخل لحظة الثورة حيث كان من بين أكثر الرؤساء الذين قوبلوا بتصفيق واسع ودعم معنوي واضح في سياق مراسم توقيع الوثيقة الدستورية في تعبير عن التفاؤل بدوره في دعم مسار التحول المدني.

وقد ارتبط ذلك في حينه بتصور سياسي عام يرى في بعض الفاعلين الإقليميين شركاء محتملين في تثبيت الانتقال المدني غير أن هذا المناخ سرعان ما تغير مع تعقّد المشهد الداخلي في السودان وتبدل موازين القوى ودخول البلاد في حرب مفتوحة أعادت تعريف الأولويات والتحالفات.

وفي هذا السياق لم يعد التعامل مع الفاعلين الإقليميين محكوماً فقط بلحظة الترحيب الأولى بل أصبح جزءاً من حسابات أكثر تعقيداً تتداخل فيها اعتبارات الأمن الداخلي وإعادة تموضع القوى داخل الدولة ومنطق إدارة التوازنات في بيئة شديدة الاضطراب.

الداخل السوداني ومعسكرات القوة

التصعيد الخارجي لا يمكن فصله عن الواقع الداخلي المعقد في السودان.

في ظل الحرب المستمرة تتعدد مراكز القرار وتتداخل الحسابات بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية المدنية والجماعات المسلحة الفاعلة على الأرض.

في هذا السياق تصبح السياسة الخارجية أحياناً امتداداً للصراع الداخلي وليس مجالاً مستقلاً عنه.

منطق حق الرد والتحول في سلوك الدولة.

في فترات سابقة حين كان السودان يتمتع بدرجة أعلى من الاستقرار المؤسسي والقدرة على ضبط التوازنات الأمنية كان سلوكه تجاه التهديدات الخارجية يقوم على مبدأ الاحتفاظ بحق الرد دون الذهاب إلى التصعيد المباشر أو المواجهة المفتوحة.

وقد ظهر هذا النهج عملياً في أكثر من واقعة من بينها استهداف مجمع اليرموك للصناعات العسكرية وبعض منشآت التصنيع الحربي حيث تم التعامل مع تلك الهجمات عبر مسارات تحقيق واتهام سياسي ودبلوماسي دون مواجهة مباشرة.

لكن هذا النهج تراجع مع تحول الداخل السوداني إلى ساحة حرب متعددة الأطراف ما قلّص من قدرة الدولة على التحكم في مسارات التصعيد.

المياه وسد النهضة العمق البنيوي للصراع.

يبقى ملف سد النهضة والنيل الأزرق أحد أكثر عناصر التوتر استقراراً في العلاقة بين البلدين.

السودان يركز على اتفاق قانوني ملزم وحماية منشآته المائية وضمان استقرار تدفق المياه.

ما يعكس أن القضية ليست تقنية فقط بل تتعلق بمنطق نظام مترابط أي أن أي تغيير في جزء من عناصره المياه الأمن أو الاستقرار السياسي ينعكس بالضرورة على بقية الأجزاء داخل المنظومة ككل.

الجغرافيا كمحدد بنيوي

لا يمكن فصل سلوك الدولة في إدارة علاقاتها الخارجية عن تداخل عاملين أساسيين الجغرافيا وما تفرضه من قيود ثابتة على الأمن والردع ومستوى الاستقرار الداخلي وما يتيحه من قدرة على اتخاذ قرار متماسك.

وفي حالة السودان يتقاطع الانكشاف الجغرافي مع هشاشة الداخل ما يجعل إدارة التصعيدات الإقليمية أكثر تعقيداً.

البحر الأحمر والإقليم الأوسع وهشاشة الجوار.

لا يمكن فصل السودان وإثيوبيا عن سياق البحر الأحمر باعتباره أحد أهم الممرات التجارية العالمية ولا عن الإطار الأوسع للقرن الإفريقي حيث تتقاطع الجغرافيا مع المصالح الاستراتيجية.

وفي هذا الفضاء الإقليمي تتداخل مصالح قوى إقليمية ودولية تمتلك حضوراً تاريخياً في ملفات القرن الإفريقي ووادي النيل وتسعى في لحظات التوتر إلى إعادة ترتيب موازين النفوذ أو تثبيت أدوارها كوسيط أو كطرف مؤثر في هندسة الاستقرار الإقليمي.

كما أن تعقيدات الإقليم نفسه من حرب تيغراي إلى التوتر الإثيوبي الإريتري وإعادة تشكل التحالفات تجعل من الحدود الشرقية للسودان منطقة شديدة الحساسية تتأثر بسرعة بأي تحول في ميزان القوى.

الجدل الداخلي بين التحذير ومنطق الدولة

داخل السودان يبرز خطاب يدعو إلى تجنب التصعيد كما في طرح مبارك المهدي الذي يستند إلى رؤية الراحل الإمام الصادق المهدي حول اختلال التوازن الجغرافي.

ويشير هذا الطرح إلى أن إثيوبيا تمتلك عمقاً دفاعياً طبيعياً وأن السودان مكشوف جغرافياً وأن كلفة المواجهة في ظل الوضع الداخلي مرتفعة.

لكن هذا الطرح يفتح سؤالاً موازياً هل يمكن للدبلوماسية وحدها إدارة ملفات بهذا التعقيد في ظل انهيار داخلي متواصل.

من يستفيد من التصعيد .

في المصلحة السودانية

لا يمكن تقديم إجابة أحادية فالتصعيد قد يخدم أطرافاً داخلية تعيد ترتيب موازين القوة ومؤسسات أمنية تعزز منطق التعبئة وأطرافاً إقليمية تعيد تموضع نفوذها وقوى دولية تراقب ممرات البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

وبالتالي فإن التصعيد ليس فعلاً منفرداً بل نتيجة تفاعل معقد بين مستويات متعددة.

ومن منظور المصلحة الوطنية السودانية يصعب تلمّس مكاسب مباشرة من الدخول في مسار تصعيدي مع إثيوبيا في هذه المرحلة فالدولة التي تعاني من حرب داخلية ممتدة وانقسام في مراكز القرار تواجه تحدياً أساسياً يتمثل في استعادة الاستقرار الداخلي قبل توسيع نطاق المواجهات أو فتح جبهات إضافية.

أما على مستوى الشعب فإن الأولوية تظل مرتبطة بوقف الحرب واستعادة الخدمات الأساسية وتأمين المعابر الإنسانية وهي ملفات تتطلب بيئة إقليمية مستقرة أكثر من كونها بيئة توتر مفتوح.

لذلك فإن أي تصعيد لا يُدار ضمن إطار دبلوماسي محسوب يظل عالي الكلفة مقارنة بأي عائد محتمل سواء على مستوى الدولة أو المجتمع.

الخاتمة

التصعيد بين السودان وإثيوبيا لا يمكن اختزاله في ملف مسيّرات أو حادث حدودي بل هو انعكاس لبنية إقليمية مضطربة تتداخل فيها الحرب الداخلية السودانية وملف المياه الاستراتيجي والجغرافيا غير المتكافئة وتحولات القرن الإفريقي.

وفي ظل هذا التشابك تبقى إدارة الأزمة هي التحدي الأساسي أكثر من تفسيرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!