
عمار سعيد
ليست أخطر الهزائم تلك التي تُمنى بها الجيوش في ميادين القتال، بل تلك التي تُصنع في غرف الحكم حين يتقدّم الخطاب ويتراجع الفعل. فما تعرّضت له مجتمعات كاملة في سنار، والنيل الأزرق، والنيل الأبيض، وجبل موية، ثم تصفية وجودها الحضري في الخرطوم، لا يمكن اختزاله في كلفة الحرب وحدها، بل هو نتاج مسار متكامل من الإقصاء الممنهج (Systematic Exclusion) والتجريف الاجتماعي (Social Cleansing) والشلل الإداري (Administrative Breakdown).
لقد حقق مشعلو الحرب مكاسب فادحة على حساب الإنسان السوداني: مصادرة للأراضي والمزارع خارج إطار القانون، إقصاء واسع من الخدمة المدنية والمؤسسات العامة والخاصة، واعتقالات جماعية طالت النساء والرجال، وصولًا إلى القتل تحت مسميات وقوانين فضفاضة مثل ما عُرف بـ«قانون الوجوه الغريبة». أما على المستوى الإنساني، فقد أُجبر الآلاف على النزوح والتشرّد في دول الجوار، ولم يسلم كثيرون هناك من تضييق واستهداف ممنهج، بينما اختار بعضهم الهجرة غربًا نحو موطن الأجداد الذي لا تعرفه الأجيال الحديثة إلا اسمًا، فاتخذوه مقامًا أو معبرًا لمجهولٍ آخر.
وعلى الصعيد التعليمي، تبدو الخسارة أفدح وأطول أثرًا. أعداد ضخمة من الطلاب حُرموا من التعليم النظامي ومن الجلوس للامتحانات النهائية في مختلف المراحل، وأُغلقت جامعات أو نُقلت قسرًا إلى مناطق سيطرة الجيش، وسُحب الاعتراف والترخيص من مؤسسات تعليمية عاملة في دارفور، في مشهد يعكس تسييس التعليم (Politicization of Education) بوصفه أداة حرب لا حقًا أصيلًا. ويكتمل المشهد العبثي بقرار مجلس التخصصات الطبية، المختطف من سلطة بورتسودان، إلغاء تراخيص مزاولة المهنة للأطباء العموميين والاختصاصيين العاملين في مناطق سيطرة تحالف تأسيس، رغم الحاجة الماسة للكوادر الطبية هناك، في ممارسة تُجسد العقاب الجماعي (Collective Punishment) وتجفيف الخدمات الأساسية (Service Deprivation).
غير أن الكارثة لا تقف عند حدود ما فعلته سلطة بورتسودان، بل تتفاقم بما لم تفعله سلطة تأسيس. فتغيير العملة، وقطع الاتصالات، وإيقاف البنوك والمصارف، ومنع تدفق السلع والبضائع من وإلى مناطق سيطرة تحالف تأسيس، كلها سياسات حصار واضحة. لكن الرد المقابل اتّسم بـ الشلل السياسي (Policy Paralysis) والقصور التنفيذي (Execution Failure). هياكل وزارية لم تُستكمل، وأخرى اكتملت شكليًا بلا أثر ملموس، وانقضت فترة «المائة يوم» المعروفة دون أي مؤشرات أداء أو خطوات عملية تشي بوجود خطة متماسكة.
الأخطر من ذلك أن سلطة تأسيس باتت أسيرة الخطابات الرنانة بلا فعل (Rhetoric without Action)، وتدير المشهد العام بمنطق ردّ الفعل (Reactive Governance) لا الفعل الاستباقي. ننتظر ما ستفعله سلطة بورتسودان، لا لنفكك سياساتها أو نسبقها بخيارات بديلة، بل لنخطو بعدها خطوة متأخرة، وكأننا ظلٌّ سياسي يتحرك حين يتحرك الأصل. هذا السلوك لا يصدر عن قيادة تمتلك خطة عمل استراتيجية (Strategic Action Plan) أو منهجًا واضحًا للحكم (Clear Governance Framework)، بل عن إدارة تُجيد التعليق أكثر مما تُجيد القرار، وتبرع في التبرير أكثر مما تنجح في الإنجاز.
الدولة لا تُبنى بمنطق “دعهم يبدأون ثم نرد”، فهذه ليست سياسة، بل فراغ قيادي (Leadership Vacuum)، وليست إدارة أزمات، بل إدارة انتظار (Management by Waiting). وفي سياق حرب وجودية تستهدف الإنسان والأرض والمؤسسة معًا، يتحول هذا النهج إلى شكل من التواطؤ غير المقصود مع الزمن؛ والزمن، في السودان، ليس عنصرًا محايدًا، بل خصم شرس لا يمنح الفرص مرتين.
لقد قال توماس كارلايل: «الأقوال العظيمة إن لم تُسندها أفعال عظيمة تحولت إلى صدى أجوف». وقال المتنبي قديمًا:
وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي
ولكن تُؤخذُ الدنيا غِلابا
الخلاصة أن سلطة تأسيس، إن لم تكسر سريعًا دائرة الـ Inertia، وتغلق فجوة التنفيذ، وتنتقل من البلاغة السياسية إلى الحوكمة القابلة للتطبيق (Actionable Governance)، فإنها تخاطر بفقدان ما تبقى من ثقة الناس قبل أن تفقد القدرة على التأثير. وكما قال ألبير كامو: «أسوأ الطغيان هو طغيان اللامبالاة».
وحين ترتدي اللامبالاة عباءة السلطة، فإنها لا تصبح موقفًا أخلاقيًا فحسب، بل سياسة… وسياسة فاشلة.




