
د.نصر الدين احمد إدريس
تُعد الأزمة السودانية في جوهرها “أزمة اصطفاف”، حيث لم تكن المشكلة يوماً في ندرة الكيانات السياسية، بل في عجز هذه الكيانات عن صياغة تحالفات استراتيجية تتجاوز سياق “إسقاط النظام” إلى رحاب “بناء الدولة”.
اتسمت الخارطة السياسية السودانية منذ ما قبل الاستقلال بظاهرة “التحالفات الهشة” التي تقوم على تكتيكات اللحظة بدلاً من برامج التحول، مما جعلها عرضة للانهيار أمام أول اختبار للسلطة أو تغول المؤسسة العسكرية.
1. إرث التأسيس: تحالفات “الاستقلال” والمصالح المتعارضة
بدأت بوادر الهشاشة في التحالفات السودانية منذ فجر الاستقلال. كان التحالف بين “حزب الأمة” و”الاتحاديين” تحت مظلة مكافحة الاستعمار تحالفاً “عاطفياً” أكثر منه برامجياً. وبمجرد نيل الاستقلال في 1956، تشظت هذه الكتل نتيجة صراع الهوية (اتحاد مع مصر vs سيادة كاملة) وصراع النفوذ الطائفي (الأنصار vs الختمية) حيث كان التفكير الحزبي ضيقاً لدرجة أن التناحر بين هذه التحالفات هو الذي مهد الطريق لأول تدخل عسكري في تاريخ السودان.
2. انقلاب عبود (1958-1964): المقاومة تحت ضغط التشرذم
في فترة عبود، تشكلت “جبهة الهيئات” كأول تحالف مهني وسياسي عريض. ورغم نجاحها في إسقاط النظام في ثورة أكتوبر 1964، إلا أن هذا التحالف انهار بسرعة قياسية.
– الخلل الهيكلي: بمجرد زوال الخصم المشترك (عبود)، عادت القوى التقليدية (الأحزاب الطائفية) للتوجس من القوى الحديثة (النقابات واليسار)، مما أدى إلى طرد الحزب الشيوعي من البرلمان، وهو القرار الذي ضرب “شرعية التحالف الديمقراطي” في مقتل ومهد الطريق لانقلاب مايو.
3. حقبة نميري (1969-1985): تحالفات “الجبهة الوطنية” في الخارج
شهدت هذه الفترة تشكيل “الجبهة الوطنية” في المنفى (الأمة، الاتحادي، الإخوان المسلمين). كان تحالفاً “عسكرياً سياسياً” يهدف للإطاحة بنميري بالقوة (غزو 1976).
– المفارقة: انفرط عقد هذا التحالف بمجرد أن عرض نميري “المصالحة الوطنية” عام 1977، حيث سارع كل فصيل لعقد صفقة منفردة، مما يثبت أن التحالفات السودانية كانت تاريخياً تفتقر للمواثيق الأخلاقية الملزمة، وتخضع لمبدأ “الغنيمة السياسية”.
4. انتفاضة أبريل 1985 والديمقراطية الثالثة
تكرر ذات السيناريو؛ تحالف عريض (التجمع الوطني لإنقاذ الوطن) يسقط ديكتاتوراً، ثم يفشل في إدارة الفترة الانتقالية. اتسمت التحالفات في الديمقراطية الثالثة بالسيولة والاضطراب، حيث تبدلت الحكومات الائتلافية بشكل درامي، مما أضعف الجبهة الداخلية وأغرى الجبهة الإسلامية القومية بالانقلاب في 1989.
5. عهد “الإنقاذ” والمعارضة المنهكة
تحت ضغط القمع، تشكل “التجمع الوطني الديمقراطي” في أسمرا. كان هذا أطول تحالف معارض عمراً، لكنه عانى من “انفصام” بين العمل المسلح والعمل السياسي.
– نقطة الضعف: برزت فيه مشكلة “التحالفات الموازية”، حيث كانت القوى الدولية تتفاوض مع الحركة الشعبية (قرنق) بمعزل عن بقية أحزاب التجمع، مما عمق (عدم الثقة) بين مكونات المعارضة وجعلها “توابع” لاتفاقيات ثنائية (مثل نيفاشا).
6. ثورة ديسمبر 2018: “قحت” وتحدي الانسجام
جاءت “قوى إعلان الحرية والتغيير” (قحت) كأوسع تحالف سياسي في تاريخ السودان المعاصر. لكن هذا التحالف وقع في ذات الفخاخ التاريخية:
– غياب البرنامج الاقتصادي والاجتماعي الموحد.
– الصراع بين “المركز” (الخرطوم) و”الهامش” (الحركات المسلحة).
– تداخل المهني بالسياسي، مما أفقد النقابات استقلاليتها.
7. حرب 15 أبريل: التفتت الشامل و”تنسيقية تقدم”
أدت الحرب الحالية إلى تعرية الهشاشة السياسية بشكل غير مسبوق. انقسمت التحالفات بين:
– قوى مدنية (تقدم): تحاول الحفاظ على مسار التحول الديمقراطي لكنها تُتهم بـ”الارتهان” أو الانحياز الضمني.
* قوى الكتلة الديمقراطية: تحالفات ارتبطت بالمؤسسة العسكرية أو بمسار سلام جوبا.
هذا الانقسام يعكس “ضعف الحياة الحزبية”؛ فالأحزاب لم تعد تملك قواعد جماهيرية حقيقية قادرة على وقف الحرب، بل أصبحت مجرد “واجهات” لمصالح إقليمية أو أجنبية.
لماذا تفشل التحالفات السودانية؟
– تحالفات “ضد” لا تحالفات “من أجل”: تجتمع الأحزاب السودانية لإسقاط شخص (عبود، نميري، البشير)، وتفترق عند بناء النظام البديل.
– تغول الأيديولوجيا على الوطنية: يظل الصراع “يمين-يسار” أو “علماني-إسلامي” حاكماً، مما يمنع تشكيل “كتلة تاريخية” صلبة.
– هشاشة الهياكل التنظيمية: التحالفات السودانية تفتقر لمؤسسات فض النزاعات الداخلية، وتعتمد على “الكاريزما” أو “الترضيات”.
التفاعل مع “الرباعية الدولية” والمبادرات الخارجية
تتعامل التحالفات السودانية مع “الرباعية الدولية” (أمريكا، مصر، السعودية، الإمارات) كـ”رافعات” بديلة عن القوة الشعبية. هذا الارتهان للخارج جعل التحالفات السياسية “رد فعل” للأجندة الدولية بدلاً من أن تكون هي “الفاعل” الذي يفرض رؤية وطنية. الرباعية الدولية، رغم دورها في محاولة التوسط، تكتشف دائماً أن “الشريك المدني” في السودان منقسم على نفسه، مما يدفع المجتمع الدولي للتعامل مع “القوى الخشنة” (العسكر) كأمر واقع.
المآلات المستقبلية: نحو “عقد اجتماعي” جديد:
إن استمرار التحالفات على نهجها القديم سيؤدي بالضرورة إلى “تفتت الدولة السودانية”. المخرج الوحيد يكمن في الاتي:
– التحول من “تحالفات المحاصصة” إلى “جبهة وطنية عريضة” ببرنامج حد أدنى (وقف الحرب، الإغاثة، العملية السياسية).
– فك الارتباط بين الحركات المسلحة والعمل السياسي الحزبي.
– بناء تحالفات “قاعدية” تنطلق من اللجان المدنية ولجان المقاومة والمجتمع المدني بعيداً عن صالونات السياسة في الخرطوم أو العواصم الإقليمية.
وفي ظل هذا التشرذم، تبرز “الرباعية الدولية” كلاعب محوري يحاول هندسة “هبوط آمن” عبر مقترح هدنة تمتد لثلاثة أشهر، تكون بمثابة “فترة سماح” لانطلاق عملية سياسية شاملة. إلا أن معضلة التحالفات المدنية المنقسمة تكمن في أن هذا التحرك الدولي قد يضعها أمام خيارين أحلاهما مر: إما الدخول في العملية السياسية بتمثيل مشتت يضعف موقف المدنيين أمام “القوى الخشنة”، أو البقاء خارجها والمخاطرة بالتهميش الكامل.
إن نجاح هدنة الأشهر الثلاثة لا يتوقف فقط على رغبة القوة العسكرية، بل على مدى قدرة هذه “التحالفات المنشطرة” على تجاوز خلافاتها التنظيمية والاتفاق على “الحد الأدنى الوطني”، لضمان ألا تؤول العملية السياسية المرتقبة إلى مجرد “شراكة هشة” أخرى تعيد إنتاج مسببات الحرب بدلاً من إنهائها.




