رأي

رئيس وزراء السودان محمد حسن التعايشي يضع النقاط على الحروف

د.فاطمة الزين الغالي.. كاليفورنيا

 

د. فاطمة الزين الغالي – كاليفورنيا

في زمن تتكاثر فيه المبادرات الورقية، ويعلو فيه ضجيج الخطابات الرمادية، جاء حديث رئيس وزراء السودان محمد حسن التعايشي مختلفًا في جوهره ومقصده وأثره. لم يكن الخطاب مجرد ردٍّ سياسي على مبادرة طُرحت في التوقيت الخطأ، بل كان تدخّلًا واعيًا لإعادة ترتيب المشهد الوطني والدولي على أساس الحقيقة والواقعية السياسية، بعيدًا عن الأوهام التي طالما أطالت أمد الحرب وعمّقت معاناة السودانيين.

قوة هذا الخطاب لا تكمن في حدّته، بل في تماسك منطقه واتصاله المباشر بالواقع. فقد انطلق التعايشي من تشخيص دقيق لأسباب الأزمة، واضعًا المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والسياسية. لم يخاطبه بلغة الاستعطاف، بل بلغة الشريك الذي يطالب بالإنصات الجاد، وبالتعامل مع الوقائع كما هي، لا كما يراد تسويقها. وهنا تتبدّى ضرورة أن يُستقبل هذا الخطاب بـأذن واعية ورويّة تامة، لأن تجاهله أو تأويله خارج سياقه لن يكون سوى مساهمة غير مباشرة في إطالة أمد الصراع.

 

الخطاب، في أحد أهم أبعاده، شكّل رسالة مباشرة للشعوب السودانية، دعاها فيها إلى التمييز بين من يقف فعليًا خلف مأساتها، ومن يعمل بصدق على إنهائها. لقد فكّك، دون مواربة، منظومة الخطاب المضلِّل التي اعتادت الاختباء خلف شعارات وطنية جوفاء، بينما تمارس على الأرض سياسات الإقصاء والحرب. هذا التفكيك منح المواطن أداة للفهم، وحرّره من الالتباس الذي صنعته سنوات من التضليل السياسي.

وفي المقابل، لم يقدّم رئيس الوزراء وعودًا عاطفية، بل طرح مسارًا واقعيًا للخروج من الحرب، يقوم على السلام بوصفه استحقاقًا تاريخيًا، لا منّة من أحد. سلامٌ لا يُبنى على موازين القوة المؤقتة، بل على إرادة سياسية تعترف بالتنوع، وتؤمن بأن وحدة السودان لا تُفرض بالقوة، وإنما تُصان بالعدالة والشراكة.

 

أما مبادرة كامل إدريس، فقد تلقّت في هذا الخطاب ضربة قاصمة في عمقها السياسي. لم يرفضها لمجرد الخلاف، بل كشف محدوديتها البنيوية، وافتقارها لأي قراءة حقيقية لمجريات الواقع. أظهر الخطاب أنها إعادة تدوير لأطروحات قديمة، تتجاهل التحولات الجذرية التي فرضتها الحرب، وتتعامل مع معاناة الملايين بوصفها تفصيلًا يمكن تجاوزه بخطاب نخبوي استعلائي. وبهذا المعنى، لم يكتفِ التعايشي بتفنيد المبادرة، بل أسقط مشروعيتها السياسية والأخلاقية معًا.

الأهم من ذلك أن الخطاب وضع المجتمع الدولي، لا سيما الأطراف المؤثرة، أمام اختبار الجدية. فقد أوضح أن الرهان على مناورات القوى المرتبطة باستدامة الصراع لن يقود إلى سلام، بل إلى إعادة إنتاج الأزمة. ومن هنا جاءت الدعوة الواضحة إلى ممارسة ضغوط حقيقية ومنسقة لدفع مسار السلام إلى الأمام، بعيدًا عن سياسات إدارة الأزمة التي أثبتت فشلها.

كما حمل الخطاب بعدًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، حين أعلن الاستعداد للدخول في هدنة تعقبها مفاوضات جادة. هذه الخطوة، في سياقها الصحيح، ليست تنازلًا سياسيًا، بل إثبات لامتلاك رؤية وثقة بأن السلام العادل لا يخشى الحوار، وأن من يسعى لإنهاء الحرب لا يتهرب من استحقاقاتها التفاوضية.

إن خطاب محمد حسن التعايشي، في محصلته النهائية، لا يمكن اختزاله في كونه ردًّا على مبادرة بعينها. إنه وثيقة سياسية كاشفة، أعادت تعريف منطق السلطة، ووضعت حدًّا للالتباس بين دعاة الحرب ودعاة السلام. وهو، قبل ذلك وبعده، نداءٌ مزدوج: إلى المجتمع الدولي كي يتحرر من أوهام الحياد السلبي، وإلى الشعب السوداني كي يثق بقدرته على التمييز، وعلى الاصطفاف خلف مشروع وطني يسعى حقًا إلى إنهاء معاناته، لا الاستثمار فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!