الْمُثَقَّفُ القَبَلِيُّ عَبْدُ العَزِيزِ بَركه سَاكن :بَيْنَ وَهْمِ الِالْتِزَامِ وَحَقِيقَةِ الِانْحِيَازِ
دكتور خالد عبيد .. لندن

د.خالد عبيد .. لندن
ليس كل من كتب صار مثقفًا، ولا كل من اشتهر صار ضميرًا عامًا. فالمثقف، في جوهر تعريفه الأخلاقي لا الوظيفي، هو من ينحاز إلى الحقيقة حين تكون مكلفة، ويقف مع الضحايا حين يكون الوقوف خطرًا، ويواجه الجذر لا العرض، والبنية لا القشرة، والسلطة لا الهامش.
في هذا المعنى، يميّز أنطونيو غرامشي بين المثقف التقليدي الذي يكرّس ما هو قائم، والمثقف العضوي الذي ينخرط في تفكيك البنى العميقة للظلم والاستغلال. المثقف العضوي لا يجمّل الواقع، ولا يلوّي ذراع الحقيقة لتناسب سرديته، ولا يبحث عن بطولة سهلة في معركة زائفة.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى مساءلة تجربة عبدالعزيز بركة ساكن، لا بوصفه روائيًا فحسب، بل بوصفه فاعلًا في المجال العام، وصوتًا يدّعي تمثيل المظلومين.
من جذور الازمه السودانيه إلى أعراضها أين يقف المثقف القبلي عبدالعزيز بركة ساكن؟
الأزمة السودانية، وبالأخص مأساة دارفور، ليست نتاج صراع إثني بسيط، ولا انفجار كراهية عفوية، بل هي نتيجة بنية سياسية واقتصادية عمرها منذ ما سُمّي بدولة الاستقلال (1956):
دولة مركزية احتكرت السلطة والثروة، وأقصت الأطراف، ثم لجأت إلى تسليح الهويات لتدير صراعاتها بالوكالة.
هنا يكون سؤال المثقف العضوي: من صنع هذه البنية؟ من راكم السلطة؟ من حوّل الدولة إلى جهاز عنف؟
لكن بركة ساكن ، في أعماله وخطابه ، انصرف غالبًا إلى توصيف الأعراض: العنف، القسوة، التوحش، الاحتراب الإثني… دون أن يغوص بما يكفي في تشريح الدولة التي أنتجت هذا كله. بل إن خطابه، في كثير من الأحيان، انزلق إلى تعميم إثني غاضب، يصب الزيت على نار مشتعلة أصلًا، بدل أن يكشف من أشعلها.
وهذه ليست جرأة، بل سطحية. وليست شجاعة، بل اختزال.
اختزال الجنجويد عرقيا بوصفهم سرديه سهله ،
في رواية مسيح دارفور، بدا وكأن الكاتب يبحث عن خلود أدبي عبر صدمة أخلاقية عالية الصوت، لا عبر مساءلة سياسية عميقة. اختار الإثنية بوصفها مركز السرد، لا الدولة. اختار الجرح الظاهر لا المرض الكامن. وهذا ما يجعل العمل أقرب إلى خطاب تعبوي منه إلى تفكيك نقدي.
الخطير في هذا المسار أنه يعيد إنتاج منطق السلطة نفسها:
السلطة تحوّل الصراع إلى عرقي لتخفي مسؤوليتها، والمثقف القبلي يعيد تدوير هذه اللغة في هيئة رواية.
وهكذا يصبح الأدب ، بدل أن يكون أداة تحرير ، أداة إعادة ترميز للهيمنة.
الخوف من نقد المركز بحثا عن القبول الاجتماعي والثقافي، الأكثر دلالة ليس ما قيل، بل ما لم يُقل.
لماذا لم يتحول نقد بركة ساكن إلى نقد صريح لبنية الدولة المركزية، للعسكر، للرأسمال الطفيلي، لتحالف المال والسلاح والإعلام؟
الجواب المؤلم هو أن نقد المركز مكلف، بينما نقد الهامش آمن ومربح رمزيًا.
فالمركز يمتلك المنابر، الجوائز، دور النشر، الإعلام، والشرعية الرمزية. ومغازلة هذا المركز ، حتى بالصمت عنه ، تفتح أبواب الانتشار، بينما مواجهته تغلقها.
وهنا يتحول المثقف من شاهد على الحقيقة إلى مستثمر فيها.
التناقض الأخلاقي ، حين يصافح المثقف القاتل ،ذروة هذا التناقض تتجلى حين يخرج مثقف ليدعم جيشًا متورطًا في قتل المدنيين، وتشريدهم، وقصف مدنهم، ثم يتحدث باسم الضحايا.
لا يوجد تبرير ثقافي أو وطني أو أخلاقي لهذا التناقض.
من يخطب ودّ العسكر يفقد تلقائيًا حق الادعاء بأنه صوت المقهورين.
ومن يساوي بين الضحية والجلاد أو يبرر الجلاد باسم الدولة ، فقد موقعه الأخلاقي، مهما علت لغته، ومهما جُمّلت عباراته.
ما الفرق بين البرهان وبركة ساكن؟سؤال موجع، لكنه مشروع ، ما الفرق بين من يضغط الزناد، ومن يبرره؟
بين من يقتل الجسد، ومن يقتل المعنى؟
البرهان يمارس العنف ماديًا، وبركة ساكن ،في هذا المسار ،يضفي عليه غطاءً ثقافيًا، أو على الأقل يسكت عنه حين يكون السكوت خيانة.
وهذا أخطر من العنف نفسه، لأن العنف بلا شرعية ينهار، أما العنف حين يُلبس ثوب الثقافة فيصير مقبولًا.
سيظل عبدالعزيز بركة ساكن ،ما دام يصرّ على هذا الموقع ،مثقفًا قبليًا لا عضويًا، عرقيًا لا تحرريًا، ناقدًا للهامش لا للسلطة، وغاضبًا من الضحية لا من الجلاد.
وكل يوم يبتعد فيه عن الجذر ويقترب من العرض، يسقط درجة أخرى في قاع البئر الذي حفره بيده: بئر الشهرة على حساب الحقيقة، وبئر الانتشار على حساب العدالة.
والمثقف، في نهاية المطاف، لا يُقاس بجودة لغته، بل بصلابة موقفه حين يصبح الصمت مربحًا والكلام مكلفًا.




