كيف ينهض السودان الجديد من بين الركام؟ الطريق للعبور من “دولة الانهيار” إلى “دولة البناء”
مجدي محمد مصطفي ماكن

مجدي محمد مصطفي ماكن
السؤال اليوم لم يعد “متى تقف الحرب” فحسب، بل أي سودان سنبني فوق هذا الركام؟
السودان اليوم ليس مجرد خبر عاجل على شاشات الفضائيات، ولا ساحة لمعركة عسكرية فحسب؛ السودان اليوم يقف عارياً أمام حقيقته التاريخية، يقف في “نقطة الصفر” التي تلي الانهيار الكبير. إن الركام الذي نراه في الخرطوم والجنينة ونيالا ليس مجرد حطام مبانٍ وجسور، بل هو حطام “الدولة القديمة” بكل تشوهاتها البنيوية التي عجزت عن إدارة التنوع، وفشلت في بناء أمة موحدة.
سنحاول في هذه السلسلة من المقالات سبر أغوار الطريق الموحش نحو التغيير..
مازال الطريق طولا، طريق محفوف بالمخاطر من كل جهة وصوب. لدينا تحدي اجتماعي، سياسي، اقتصادي، عسكري، وأخلاقي خطير.
لدينا تحديات خارجية، فنحن جزء ما إقليم يمور كما المرجل. وحروب تلوح في الأفق. رغم أن الله وحده يعلم متي ستتوقف الحرب، ألا ان ذلك لا يمنعنا محاولات الإجابة على السؤال الأهم “أي سودان سينهض من هذا الركام”.
أولاً: المحور الاجتماعي.. ترميم الروح قبل الحجر
إن الخراب الأكبر الذي أحدثته هذه الحرب ليس في البنية التحتية، بل في النسيج الاجتماعي. لقد تعمقت شروخ الكراهية، وبرزت النعرات القبلية كآلية دفاع بدائية في غياب الدولة. لذا، فإن النهضة تبدأ من هنا:
– صياغة “العقد الاجتماعي” الجديد: لقد ماتت الصيغة القديمة للسودان (دولة المركز والهامش). وقد اعتمد السودانيون الشرفاء كتابة دستور تأسيس وهو دستور وجداني قبل أن يكون الدستور القانوني، يعترف بأن “المواطنة” هي الرابط الوحيد، وأن التنوع هوية وليس مهدداً أمنياً.
– العدالة الانتقالية والمصارحة: لا يمكن بناء سودان جديد فوق جثث المظالم المدفونة. نحتاج لنموذج “رواندي” أو “جنوب أفريقي” للمكاشفة والمصالحة. جبر الضرر (المادي والمعنوي) للضحايا هو الشرط الأول لكي لا ننتج حرباً قادمة بعد عشر سنوات.
– إعادة تعريف الهوية: يجب أن نغادر مربع (عروبة أم أفريقانية؟) إلى مربع (السودانوية) الشاملة. الهوية التي تتسع للجميع بلا استعلاء ثقافي أو إقصاء عرقي.
ثانياً: المحور السياسي.. من “دولة الغنيمة” إلى “دولة المؤسسات”
أثبتت الحرب أن الدولة القائمة على “الترضيات” وتقاسم السلطة بين النخب العسكرية والمدنية هي دولة هشة، تنهار عند أول رصاصة. النهوض السياسي يتطلب نسف المفاهيم القديمة:
– جيش وطني واحد بعقيدة جديدة: هذه هي “أم المعارك”. لا نهضة بوجود جيوش متعددة. الحل يكمن في دمج مهني صارم، وخروج المؤسسة العسكرية كلياً من الاقتصاد والسياسة، لتتفرغ لمهمتها المقدسة: حماية الدستور والحدود، لا حكم البلاد.
– الفيدرالية الحقيقية لا الصورية: الخرطوم التي كانت “كرش الفيل” التي تبتلع موارد السودان قد دمرت. هذه فرصة تاريخية لإعادة تصميم الدولة بحيث تحكم الأقاليم نفسها، وتدار مواردها محلياً، مما يفتت أسباب الصراع حول “كرسي السلطة” في العاصمة.
– الأحزاب البرامجية: على النخبة السياسية أن تدرك أن زمن الخطابات البلاغية قد ولى. السودان الجديد يحتاج لساسة “تكنوقراط” وسياسيين يملكون برامج لإدارة الصحة والتعليم، لا لساسة يبرعون فقط في المناورات والمحاصصات.
ثالثاً: المحور الاقتصادي.. مشروع “مارشال” سوداني
الاقتصاد السوداني الآن ليس في حالة ركود، بل في حالة “محو”. الأسواق نُهبت، والمصانع حُرقت، والبنوك أُفرغت. لكن، وكما نهضت ألمانيا واليابان، يمكن للسودان أن ينهض عبر:
اقتصاد الإعمار The Reconstruction Economy. عملية إعادة البناء نفسها يجب أن تكون المحرك الاقتصادي. يجب توظيف ملايين الشباب العاطلين في بناء ما تهدم، مما يضخ السيولة ويخلق دورة اقتصادية جديدة.
العودة إلى الأرض: الذهب والنفط جلبا لنا اللعنة والحروب. المخرج الحقيقي هو الزراعة. العالم يواجه أزمة غذاء، والسودان يملك الأرض والماء. تحويل الاقتصاد من “ريعي” يعتمد على ما في باطن الأرض إلى “إنتاجي” يعتمد على ما فوق الأرض هو طوق النجاة.
استنهاض رأس المال البشري (المغتربين): يملك السودان جيشاً من الخبراء في الخارج “الدياسبورا” هؤلاء هم الاحتياطي الاستراتيجي للنهضة، ليس فقط بأموالهم، بل بعقولهم وخبراتهم في بناء الأنظمة الحديثة.
آليات عملية لتحويل “حلم النهضة” إلى واقع ملموس
ليس الشيطان وحده من يكمن في التفاصيل، بل الحلول أيضاً تكمن هناك. الحديث عن “جيش واحد” أو “اقتصاد قوي” حديث مكرر، ولكن “كيف” نصل لذلك؟ هنا نقدم “العدة والعتاد” لمشروع البناء الوطني:
أولاً: آليات ترميم النسيج الاجتماعي مشروع “التعافي”
لا يمكن فرض التعايش بمرسوم دستوري، بل بآليات مجتمعية، أهمها:
هيئة “الإنصاف والمصارحة” الأهلية: بدلاً من المحاكم الصورية، نحتاج لتطوير نظام “الجودية” السوداني التقليدي ليصبح مؤسسياً. لجان في كل محلية يرأسها حكماء محليون (ليسوا سياسيين)، مهمتها الاستماع للضحايا، توثيق الانتهاكات، والتحكيم في التعويضات (الديات وجبر الضرر) بتمويل من صندوق سيادي خاص. الهدف: الاعتراف بالألم قبل التسامح.
هندسة المناهج التعليمية (نزع فتيل الكراهية): إعلان حالة طوارئ تعليمية لتنقيح المناهج المدرسية من أي حمولات أيديولوجية أو جهوية. إدخال مادة “التربية المدنية” و”تاريخ التنوع الثقافي” كمواد أساسية للطفل منذ الروضة، ليعرف أن السوداني الآخر ليس عدواً.
قوات “الأمن المجتمعي: يتم تشكيل قوات شرطية مجتمعية من أبناء الأحياء والقرى تحت إشراف قانوني، وظيفتها حماية السلم الأهلي، لردم الفجوة بين المواطن ورجل الأمن.
ثانياً: آليات الإصلاح السياسي والأمني (مشروع “المؤسسة”)
السياسة في السودان قتلت الدولة، والحل في “تحييد” مؤسسات الدولة عن الصراع الحزبي:
– برنامج الـ (DDR) المطور (نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج): أخطر ملف. لا يكفي دمج القوات، بل يجب إنشاء “صندوق الدعم الاقتصادي للمحاربين”. المقاتل الذي يلقي سلاحه يجب أن يجد مشروعاً زراعياً أو حرفياً يدر عليه دخلاً كريماً فوراً، وإلا سيعود للبندقية كمهنة للعيش. الدمج يجب أن يكون وفق معايير فنية صارمة (اللياقة، العمر، التعليم) وليس رتباً سياسية.
– حكومة “المهام المحددة” (Task Force Gov): فترة تأسيسية لا تقل عن 5 سنوات، تديرها حكومة كفاءات مستقلة تماماً بصلاحيات تشريعية، مهمتها محددة في 4 ملفات فقط: (الأمن، الاقتصاد، الصحة، التعليم). مع فتح حوارات سياسية ومجتمعية حول شكل الأحزاب التي نريد في السودان الجديد، وما هو قانونها الحاكم، وما هي الضوابط الأخلاقية التي تلزمها. الأحزاب يجب أن تتفرغ الأحزاب قواعدها الانتخابية بعيداً عن خزينة الدولة. مع منع
– اللامركزية المالية (المال عند أصحابه): تفعيل نظام التحويلات المالية المباشرة للأقاليم. نصيب الإقليم من موارده (ذهب، نفط، زراعة) يودع في بنك الإقليم المحلي مباشرة، ولا يمر عبر وزارة المالية المركزية إلا بنسبة “السيادة الوطنية”. هذا يوقف الشكوى التاريخية من التهميش.
ثالثاً: آليات الإقلاع الاقتصادي (مشروع “الإنتاج”)
الاقتصاد السوداني يحتاج لـ “صدمة كهربائية” تعيده للحياة، عبر:
– التحول الرقمي الإجباري (حرب الفساد): بناء الدولة الحديثة يبدأ بـ “الأتمتة”. إلغاء التعامل النقدي الورقي في الخدمات الحكومية تدريجياً (E-Government). حينما يتم تحصيل الضرائب والرسوم والجمارك إلكترونياً، تُغلق 90% من أبواب الفساد والرشوة، وتتضاعف إيرادات الدولة دون فرض ضرائب جديدة.
– سندات “بناء السودان” (للمغتربين): بدلاً من التحويلات عبر السوق الأسود، تطرح الدولة سندات استثمارية بالدولار للمغتربين بضمانات دولية (ربما برعاية البنك الدولي)، توجه عائداتها حصراً لمشاريع البنية التحتية (كهرباء وطرق)، مقابل عوائد مجزية للمغترب، وإعفاءات جمركية لسياراتهم وممتلكاتهم عند العودة.
– الزراعة التعاقدية (التصنيع بدلاً من التصدير الخام): إصدار قرار سيادي بمنع تصدير أي منتج سوداني “خام” (صمغ، سمسم، ماشية) بعد مهلة 3 سنوات. الدولة توفر تسهيلات هائلة لأي مستثمر ينشئ مصنعاً للتغليف أو التحويل. العالم لا يحتاج صمغنا الخام بأسعار بخسة، بل يحتاج منتجاتنا المصنعة بأسعار عادلة.
إن هذه الخطوات لن تكون نزهة، بل هي عملية جراحية مؤلمة لجسد أنهكته الغرغرينا. ولكن، هل نملك خياراً آخر؟ السودان الجديد لا ينتظر معجزة من السماء، بل ينتظر عرق الجبين، وصدق النوايا، وشجاعة اتخاذ القرار الصحيح ولو كان مراً.”
يتبع.




