رأي

عودة الهامش إلى الواجهة: فرصة العدالة المؤجَّلة ومسؤولية الاستجابة الرشيدة

سهيبة مريش .. نيالا

 

سهيبة مريش .. نيالا 

ما يشهده السودان اليوم من تحولات سياسية واجتماعية متسارعة يضع البلاد أمام أسئلة عميقة تتعلق بطبيعة الدولة ومستقبلها. وفي قلب هذه التحولات، تعود قضايا الهامش إلى الواجهة بقوة، بعد عقود طويلة من التهميش والإقصاء. هذه العودة لا تمثل حدثًا عابرًا أو موجة مطلبية طارئة، بل تعبيرًا متراكمًا عن اختلالات بنيوية ظلت ترافق مسار الدولة السودانية منذ الاستقلال.

الهامش، الذي يضم قطاعات واسعة من الشعب السوداني، لم يكن يومًا خارج معادلة الوطن، لكنه ظل خارج دائرة القرار والتنمية المتوازنة. ومع تعاقب الأزمات والحروب، ازدادت الفجوة بين المركز والأطراف، ما جعل مطالب العدالة الاجتماعية والتنمية المتكافئة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. هذه المطالب ليست جديدة في جوهرها، لكنها اليوم تُطرح في سياق مختلف، حيث لم يعد ممكناً تجاهلها أو تأجيلها تحت ذريعة الأولويات الأمنية أو السياسية.

ورغم مشروعية هذه المطالب، يواجه الهامش تحديات حقيقية تعيق تحقيقها. فانتشار الفساد، واستمرار الصراعات القبلية، وضعف مؤسسات الحكم، وعدم الاستقرار السياسي، كلها عوامل تُفرغ المطالب من مضمونها، أو تُحوّلها إلى شعارات بلا أثر. كما أن غياب رؤية وطنية شاملة لمعالجة جذور التهميش يجعل الاستجابة الرسمية غالبًا مترددة أو جزئية، وهو ما يفاقم الإحباط ويغذي الشعور بالغبن.

في هذا السياق، تبرز مسؤولية الحكومة بوصفها الفاعل الأساسي في معالجة قضايا الهامش. المطلوب ليس فقط الاعتراف بالمشكلة، بل الانتقال إلى سياسات عملية تضع التنمية والعدالة الاجتماعية في صدارة الأولويات. ويشمل ذلك توجيه الموارد بشكل عادل، وتوسيع نطاق الخدمات الأساسية، وضمان المشاركة الحقيقية لأبناء الهامش في صنع القرار. إن تحقيق التوازن بين مناطق السودان المختلفة ليس مطلبًا سياسياً فحسب، بل شرطًا لبناء دولة مستقرة يشعر فيها الجميع بالانتماء والمساواة.

إلى جانب الدور الحكومي، يظل المجتمع المدني عنصرًا محوريًا في دعم قضايا الهامش. فالمبادرات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني قادرة على لعب دور فاعل في توعية المواطنين بحقوقهم، وبناء جسور الحوار بين المجتمعات المحلية والسلطات، وممارسة الضغط السلمي من أجل الإصلاح. كما يمكن لهذه المنظمات أن تسهم في احتواء النزاعات المحلية، وتعزيز ثقافة التعايش، بما يحد من الانقسامات التي غالبًا ما تُستغل لإضعاف المطالب العادلة.

إن عودة الهامش إلى الواجهة ينبغي أن تُقرأ بوصفها فرصة تاريخية لتصحيح المسار، لا تهديدًا للاستقرار. فالتجاهل أو الاستجابة المتعجلة وغير المدروسة قد يعيدان إنتاج الأزمة بدل حلها. المطلوب هو استجابة رشيدة، تقوم على الحوار، والاعتراف بالتنوع، والالتزام بإصلاحات جذرية تعالج الأسباب لا النتائج.

وفي الختام، فإن السؤال الحقيقي لا يكمن في سبب مطالبة الهامش بحقوقه اليوم، بل في سبب تأخر الاستجابة لهذه المطالب لعقود طويلة. إن بناء سودان أفضل للجميع يمر حتمًا عبر إنصاف الهامش، وتحويل شعارات العدالة إلى سياسات ملموسة. وعندها فقط، يمكن أن تتحول هذه العودة من لحظة احتجاج إلى بداية مسار وطني جامع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!