
صهيل الخيل
د. عبدالمجيد عبدالرحمن أبوماجدة
إنّ هذه الأيام يشهد جنوب اليمن حراكاً متصاعداً يقوده المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يسعى لإقامة دولة مستقلة عن شمال اليمن. وفي حال انفصال جنوب اليمن عن شماله، فإن ذلك يعني العودة مجدداً إلى حدود ما قبل عام 1990، وهو ما سيؤدي إلى نشوء كيانين مختلفين تماماً من حيث الموارد، والجغرافيا السياسية، والعلاقات الخارجية.
في مثل هذه الحالة، سيعود شمال اليمن إلى اسمه التاريخي القديم «الجمهورية العربية اليمنية»، وستظل صنعاء عاصمته. أما جنوب اليمن، فمن المرجح أن يحمل اسم «الجنوب العربي»، وهو الاسم الذي كان يُطلق على السلطنات القديمة في عهد الاحتلال البريطاني، وستكون عدن العاصمة الجديدة لجنوب اليمن.
تُظهر الجغرافيا السياسية وجود تفاوت كبير وفوارق واضحة في المساحة بين اليمن الجنوبي واليمن الشمالي. إذ يمتلك جنوب اليمن المساحة الأكبر، التي تُقدّر بحوالي 332,970 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل قرابة 63 في المئة من مساحة اليمن الموحّد، نظراً لوجود محافظات واسعة مثل حضرموت والمهرة وغيرها. في المقابل، يمتلك اليمن الشمالي مساحة أصغر تُقدّر بنحو 195,000 كيلومتر مربع، أي ما يعادل نحو 37 في المئة من المساحة الكلية.
وعلى الصعيد السكاني، توجد فجوة كبيرة في الكتلة البشرية بين الشمال والجنوب. فالأغلبية الساحقة من السكان يقطنون شمال اليمن، حيث يُقدّر عددهم بحوالي 35 مليون نسمة، ما يشكّل ضغطاً كبيراً على الموارد والخدمات الشحيحة. أما جنوب اليمن، فتتميز كثافته السكانية بانخفاض ملحوظ، إذ يبلغ عدد سكانه نحو 6 ملايين نسمة فقط، مقارنة بمساحته الواسعة، وهو ما يمنحه ميزة نسبية في توزيع الثروة ونصيب الفرد من الموارد.
وفي ما يتعلق بالحدود، فإن انفصال الجنوب سيؤدي إلى فقدان اليمن الشمالي لحدوده مع سلطنة عمان، بينما يكتسب جنوب اليمن حدوداً جديدة ومهمة مع المملكة العربية السعودية شمالاً، وسلطنة عمان شرقاً، إضافة إلى حدوده مع اليمن الشمالي.
أما من الناحية البحرية، فسيفقد اليمن الشمالي الوصول إلى بحر العرب والمحيط الهندي، وسيبقى له ساحل واحد فقط على البحر الأحمر، مع موانئ حيوية مثل الحديدة والصليف. في المقابل، سيسيطر جنوب اليمن على أهم الممرات المائية الدولية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب، إضافة إلى امتلاكه ساحلاً طويلاً على بحر العرب وخليج عدن، وموانئ استراتيجية مثل عدن والمكلا ونشطون. ويُعد هذا الموقع، في الجغرافيا السياسية، من أهم المواقع العالمية، لكونه يربط قارات العالم عبر ممرات مائية حيوية.
اقتصادياً، وفي حال حدوث الانفصال، سيضطر كل طرف إلى إصدار عملته الخاصة أو العودة إلى العملات السابقة، مثل الدينار في الجنوب والريال في الشمال، مع احتمال بروز فروقات كبيرة في القوة الشرائية تبعاً للموارد والغطاء النقدي. كما أن معظم احتياطيات النفط والغاز تقع في جنوب اليمن، خصوصاً في حضرموت وشبوة، بينما يمتلك الشمال ثروة زراعية وصناعية وقوة عاملة كبيرة.
من الناحية القانونية الدولية، قد يتم الانفصال عبر مسار سلمي يقوم على الاعتراف المتبادل، أو اعتبار إحدى الدولتين وريثة قانونية للدولة الموحدة، بينما تتقدم الأخرى بطلب عضوية جديد. وفي حال تحقق الانفصال، من المرجح أن يعتمد جنوب اليمن اسم «الجنوب العربي».
تكمن الأهمية الإستراتيجية لجنوب اليمن في موقعه الجغرافي الفريد، إذ يطل على مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويُعد أحد أهم شرايين التجارة العالمية وأمن الطاقة. كما أن موانئه البحرية، مثل عدن والمكلا، تمنحه وزناً كبيراً في التجارة الإقليمية والدولية، إضافة إلى غناه بالموارد الطبيعية، وتاريخه كموقع للقواعد العسكرية الأجنبية.
لهذه الأسباب، يحظى جنوب اليمن بقيمة إستراتيجية عالية، وتتنافس القوى الإقليمية والدولية على النفوذ فيه، نظراً لموقعه الذي يربط قارات العالم ويؤثر مباشرة في أمن الملاحة البحرية والتوازنات الجيوسياسية الدولية.




