رأي

شرق السودان: بين خطاب الاستقلال وخطاب الردة

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني 

في الوقت الذي تتصاعد فيه الأزمة السودانية وتزداد التوترات في أقاليم البلاد المختلفة، يبرز شرق السودان كنقطة محورية للصراع على الهوية، السلطة، والمستقبل الوطني. التصريحات الأخيرة لرئيس نظارات البجا، محمد محمد الأمين ترك، تكشف عن ملامح واضحة لمواقف تنتمي إلى الماضي أكثر منها إلى الحاضر، بينما خطاب إبراهيم دنيا، قائد قوات تحرير شرق السودان، يمثل صوت المستقبل والإرادة الشعبية الجامعة.

ترك، الذي اختار الوقوف إلى جانب القوات المسلحة ومؤسسات النظام البائد، لم يكن مجرد سياسي محافظ أو زعيم إقليمي؛ بل أصبح تجسيداً لأيديولوجيا عفا عليها الزمن. جماعة الهوس الديني التي يدافع عنها، والكيزان الذين استغلوا مؤسسات الدولة لأغراضهم الخاصة، قد لفظتهم الشعوب السودانية بعد عقود من الانتهاكات، بينما يواصل ترك التمسك بخطابهم القديم. هذا الخطاب، الذي يرفع شعارات الولاء للقائد العام والجيش، لا يعكس إلا رغبة في إعادة إنتاج السلطة القديمة، مستغلاً حالة الانقسام والارتباك السياسي التي خلفتها الحروب والانقلابات.

الردة التي يمثلها ترك ليست مجرد موقف سياسي؛ إنها أداة في خدمة فلول النظام البائد الذي أشعل حرب الخامس عشر من أبريل بهدف القضاء على الثورة الباذخة وتحجيم أي مشروع وطني ديمقراطي. طوال سنوات الثورة، وقف هذا النوع من القيادات ضد إرادة الشعب، محاولة فرض الوصاية على كل جهود التغيير. خطاب ترك لا يهدف إلى حماية الشعب أو الإقليم، بل هو خطاب موجه لإعادة إنتاج النفوذ الشخصي والمصالح الضيقة، مستخدماً القوة والتهديدات لتكريس سلطته على شرق السودان، وتجاهل إرادة الجماهير التي عانت طويلاً من الاستبعاد والتهميش.

على النقيض، جاء خطاب إبراهيم دنيا مختلفاً تماماً، متسقاً مع نبض الشارع وإرادة الجماهير. حركته تضع حماية الإقليم ومصالح أهله على رأس الأولويات، وتعكس إدراكاً حقيقياً للمتغيرات السياسية والاقتصادية في المنطقة. ما يميز دنيا هو أنه اختار الخطاب الواقعي والمشروع، بعيداً عن الشعارات الفارغة، مركزاً على حماية السكان وموارد الإقليم، ومؤكداً على ضرورة أن يكون الشرق طرفاً فاعلاً في أي ترتيبات تخص مستقبل المنطقة. خطاب دنيا لم يكن مجرد حديث سياسي، بل هو تأكيد على أن السلطة ليست ملكاً للنخبة القديمة، وأن إرادة الشعب هي المرجع الأول لأي مشروع مستدام.

الجدير بالذكر أن ظهور دنيا حظي بتفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس قبولاً شعبياً واضحاً لرؤيته. في المقابل، خطاب ترك، رغم كل محاولاته لاستدعاء رموز الولاء القديمة، بدا مفككاً ومحرجاً أمام حراك الجماهير، مؤكداً بما لا يدع مجالاً للشك أنه يمثل قوى الردة في أقبح صورها، وأن موقعه في الصراع ليس إلا دفاعاً عن مصالح ضيقة وتاريخية، بعيداً عن المشروع الوطني الجامع.

التباين بين الرجلين يعكس أيضاً الانقسام الأيديولوجي الذي يعصف بالشرق السوداني، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على احتمال إعادة تشكيل السياسة الإقليمية وفق موازين جديدة. فبينما يختار البعض الخطابات القديمة المستندة إلى القوة والسلاح والامتيازات التاريخية، هناك من يختارون الحوار، الشراكة، واحترام إرادة الشعب، وهو ما يجعل الخطاب الشعبي أكثر قوة وتأثيراً في تشكيل المستقبل.

إن الموقف الشجاع لدنيا، الذي أكد منذ اللحظة الأولى على حماية المدنيين وعلى رفض الدخول في صراعات ليست مرتبطة بمصالح الإقليم، يجعله عنواناً للمصداقية والوعي، ويبرهن على أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا عندما تُحترم إرادة الجماهير وتكون السلطة مستمدة من أساس شعبي حقيقي. بينما يواصل ترك التشبث بخطاب الماضي، فإن الشعب يبدو أكثر وعياً وقدرة على استبعاد من يمثل الردة، والتوجه نحو من يمثل طموحاتهم الوطنية.

في نهاية المطاف، شرق السودان اليوم يقف عند مفترق طرق بين خطاب الاستقلال والمشروع الوطني الحقيقي، وبين خطاب الردة والتمسك بالماضي. خطاب إبراهيم دنيا يمثل الأمل في أن تكون إرادة الشعب هي الفاصل، وأن تحكم العقلانية، الشفافية، والالتزام بحقوق السكان مستقبل الإقليم. أما خطاب ترك، فيظل تذكيراً بأن بعض القوى لا تزال متمسكة بالماضي، لكنها باتت عاجزة عن فرض نفسها على جمهور واعٍ وحيوي، يعرف أن الثورة لا تقبل الرجوع إلى الوراء، وأن استعادة الكرامة والحق في المشاركة الفعلية هي الطريق الوحيد نحو شرق سودان مستقر ومزدهر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!