
نجم الدين دريسة
منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تعد الأزمة مجرّد مواجهة عسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحوّلت إلى اختبار عميق لفكرة الدولة ذاتها: هل ما يزال في السودان مركز قرار؟ وهل توجد مؤسسة يمكن التفاوض معها باعتبارها ممثلاً وطنيًا قادرًا على الالتزام؟ هذا السؤال يقف اليوم في صلب المأزق الذي تواجهه الرباعية الدولية، كما عكسته بوضوح تصريحات مسعد بولس لصحيفة «النهار» اللبنانية، حين تحدّث عن هدنة إنسانية بلا شروط، في مقابل واقع سياسي وعسكري يعاني من اختطاف القرار وغياب السيادة.
واشنطن، وفق قراءة بولس، تدرك أن لا حل عسكريًا للحرب، وأن استمرارها يعني تعميق أكبر أزمة إنسانية في العالم. لكن المفارقة أن هذا الإدراك يصطدم بجدار صلب داخل السودان: جيش لا يعمل كمؤسسة وطنية موحّدة، بل كشبكة مصالح سياسية وأيديولوجية وإثنية، تجعل من أي حديث عن هدنة أو سلام أقرب إلى الأمنيات منه إلى الوقائع القابلة للتنفيذ.
الجيش السوداني، الذي يُقدَّم خارجيًا بوصفه طرفًا يمكن التفاوض معه، يبدو في الحقيقة جيشًا بلا مركزية حقيقية في اتخاذ القرار. القرار العسكري والسياسي لم يعد حكرًا على القيادة الشكلية، بل موزع بين نخب متنفذة، في مقدمتها التيار الإسلامي الذي أعاد الإمساك بمفاصل المؤسسة بعد الثورة، مستخدمًا الحرب فرصة لاستعادة نفوذه، وحماية شبكات مصالحه التي تهدّدت خلال المرحلة الانتقالية. هذا الاختطاف البنيوي للمؤسسة العسكرية يجعل أي التزام بالهدنة مرهونًا بتوازنات داخلية غير مرئية للمجتمع الدولي، لكنه يدفع ثمنها يوميًا.
حين يقول مسعد بولس إن واشنطن “تتجاهل تصريحات البرهان وتركز على جوهر الأزمة الإنسانية”، فهو يلمّح، من حيث لا يصرّح، إلى إدراك أميركي بأن الخطاب الرسمي للقيادة العسكرية لا يعكس بالضرورة حقيقة مراكز القوة داخل الجيش. البرهان، في هذا السياق، ليس صانع قرار مستقل، بل جزء من بنية معقّدة، تربطه علاقة عضوية بالتنظيم الإسلامي الذي ظل لعقود يستخدم الجيش كأداة للسلطة، لا كمؤسسة وطنية خاضعة لإرادة مدنية.
هذه البنية لا تقوم فقط على الأيديولوجيا، بل تتغذى أيضًا من اعتبارات إثنية ومناطقية. مجموعات محددة تحرص على الإمساك بوحدات حساسة ومفاصل استراتيجية داخل الجيش، ليس بدافع وطني جامع، بل بدافع الحفاظ على امتيازات اقتصادية وسياسية راكمتها عبر عقود. الحرب، في هذا السياق، ليست مأساة عارضة، بل وضعًا مثاليًا لإعادة إنتاج السيطرة، وتعطيل أي مسار يقود إلى دولة قانون ومساءلة.
من هنا، تبدو هدنة بلا شروط مسبقة – كما تطرحها الرباعية وتصرّ عليها واشنطن – فكرة منطقية إنسانيًا، لكنها شديدة التعقيد سياسيًا. فالجيش، بوضعه الحالي، لا يرى في الهدنة مجرد وقف لإطلاق النار، بل تهديدًا لتوازنات داخلية تستفيد من استمرار الحرب. وكلما اقترب الحديث عن سلام أو انتقال مدني، زادت مقاومة هذه النخب، سواء عبر التصعيد العسكري، أو عبر إغراق المشهد بخطاب السيادة والمؤسسات الوطنية.
يتقاطع هذا المشهد الداخلي مع أدوار إقليمية تزيده تعقيدًا. فمصر، التي ترتبط تاريخيًا ومؤسسيًا بالجيش السوداني، تنطلق في موقفها من منطق حماية “المؤسسات القومية”، وعلى رأسها الجيش. هذا الخطاب، الذي يبدو ظاهريًا حريصًا على وحدة السودان، يخفي في جوهره حرصًا على مصالح مصر الاستراتيجية، لا سيما في ملفي الأمن المائي وسد النهضة. القاهرة لا تنظر إلى الجيش السوداني بوصفه مشكلة، بل بوصفه الضامن الوحيد لعدم خروج السودان عن مدارها الإقليمي، حتى لو جاء ذلك على حساب تطلعات السودانيين إلى دولة مدنية حقيقية.
الأكثر إشكالية أن هذا الدور المصري لا يقتصر على دعم الجيش كمؤسسة، بل يمتد إلى علاقات مع نخب محددة داخله، بما في ذلك تيارات إسلامية، طالما أنها تضمن بقاء الخرطوم ضمن معادلة إقليمية تخدم المصالح المصرية. وهنا يتبدد الادعاء المتكرر بأن مصر “أحرص على استقرار السودان”، لأن الاستقرار الذي تريده القاهرة هو استقرار قابل للتحكم، لا استقرار نابع من سيادة شعبية حقيقية.
السعودية، من جهتها، تسير في مسار قريب من الموقف المصري، وإن اختلفت الدوافع. الرياض تنظر إلى السودان من زاوية أمن البحر الأحمر، والاستثمارات، ومنع ظهور دولة مستقلة تمتلك قرارها الاقتصادي والسياسي، وقادرة على توظيف مواردها – الزراعية والنفطية والمعدنية – خارج منظومة النفوذ الإقليمي. لذلك تفضّل التعامل مع نخب عسكرية أو شبه عسكرية يمكن التفاهم معها عبر قنوات ضيقة، بدل دولة مدنية تخضع قراراتها لنقاش عام ومساءلة داخلية.
هذا الاصطفاف الإقليمي، الذي يميل بوضوح لصالح الجيش، يفقد الرباعية الدولية جزءًا كبيرًا من حيادها، أو على الأقل من قدرتها على الضغط المتوازن. فحين يشعر أحد أطراف النزاع بأن له ظهيرًا إقليميًا قويًا، تتراجع حوافزه للانخراط الجاد في تسوية، ويصبح الحديث عن هدنة مجرد تكتيك لكسب الوقت، لا خطوة نحو سلام دائم.
في هذا السياق، يكتسب حديث مسعد بولس عن رفض التعاون الأمني مع روسيا أهمية خاصة. فالعرض السوداني بإنشاء قاعدة بحرية روسية ليس مجرد مناورة خارجية، بل رسالة سياسية: القيادة العسكرية، أو بعض مراكز القوة داخلها، تبحث عن بدائل للحماية والدعم، في مواجهة الضغوط الغربية. هذا الخيار، كما حذّر بولس، لن يؤدي إلا إلى زيادة عزلة السودان وتعميق الصراع، لكنه في منطق النخب المسيطرة وسيلة للابتزاز السياسي، واستخدام الجغرافيا السودانية كورقة تفاوض.
وسط هذه التعقيدات، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف. الأرقام التي عرضها بولس حول المساعدات الأميركية – مئات الملايين من الدولارات – تعكس حجم الكارثة، لكنها تكشف أيضًا حدود الاستجابة الإنسانية حين تغيب الإرادة السياسية المحلية. فالمساعدات لا يمكنها أن تحل محل الدولة، ولا أن تعوّض عن قرار سياسي بوقف الحرب. وما لم تُكسَر الحلقة التي تربط استمرار القتال ببقاء الامتيازات، سيظل السودان ساحة مفتوحة للتدخلات، لا دولة قادرة على التعافي.
إن فشل مبادرات السلام في السودان لا يعود إلى نقص في المبادرات، بل إلى خلل عميق في بنية السلطة. الرباعية الدولية تتعامل مع أطراف تفترض أنها متماسكة، بينما الواقع يقول إن القرار موزّع، مختطف، ومشروط بحسابات ضيقة. والنتيجة أن كل اتفاق يولد هشًا، وكل هدنة مهددة بالانهيار عند أول اختبار.
الخلاصة أن السلام في السودان ليس مسألة توقيع أو وساطة، بل معركة طويلة لاستعادة فكرة الدولة ذاتها. دولة يكون فيها الجيش مؤسسة مهنية لا أداة أيديولوجية، ويكون القرار السيادي معبرًا عن إرادة الشعب، لا عن توازنات نخب مغلقة. من دون ذلك، ستبقى مبادرات الرباعية، مهما حسنت نواياها، تصطدم بحقيقة مرة: لا يمكن صنع السلام مع جيش بلا قرار، ولا بناء دولة في ظل سيادة منقوصة.




