رأي

بين القصف وبناء الشرعية كيف يقرأ العالم سلوك حكومتين في السودان

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

ما يجري في السودان اليوم لا يُقاس فقط بميزان القوة العسكرية، بل بميزان السلوك السياسي. فالعالم لا يسأل من يملك السلاح، بل كيف يُستخدم هذا السلاح؟ وعلى من؟ ولماذا؟

في هذا السياق، يبرز تباين واضح بين سلوك حكومة بورسودان وسلوك حكومة التأسيس، تباين أصبح عاملاً حاسماً في طريقة تصنيف كل طرف خارجياً.

 

قصف الغرب وتحول الدولة إلى خصم لمواطنيها.

 

استهداف المستشفيات والمناطق المدنية في غرب السودان يعكس سلوك سلطة لم تعد ترى في السكان جزءاً من معادلة الحكم، بل عبئاً أمنياً. قصف المرافق الصحية يعني عملياً أن العلاقة بين الدولة والمجتمع دخلت مرحلة القطيعة، وأن السياسة أُزيحت لصالح منطق الإخضاع.

في جنوب كردفان، تكررت الحوادث التي استهدفت مرافق صحية ومدنيين. في مدينة الدلنج، أسفرت ضربة بطائرة مسيرة على مستشفى محلي عن مقتل أكثر من 8 أشخاص وإصابة آخرين، حسب شهادات طبية وشهود عيان. كما ضربت هجمات جوية أخرى مرافق مدنية شملت المستشفيات والأحياء السكنية، ما أسفر عن عشرات القتلى والجرحى. وعلى نطاق أوسع، وثقت تقارير أممية مقتل أكثر من 100 مدني نتيجة سلسلة من القصف الجوي على مناطق مدنية في كردفان.

الدولة التي تستخدم قوتها الجوية ضد فضاء مدني لا تُضعف خصومها بقدر ما تُفقد نفسها معناها. فهي لا تحسم المعركة، لكنها تحسم صورتها في الوعي الدولي كسلطة عاجزة عن إدارة البلاد دون عنف واسع النطاق.

 

فقدان الموثوقية السياسية.

 

العالم لا يقرأ حرص حكومة البرهان على استمرار الحرب بوصفه تمسكاً بالدولة، بل كفشل في الانتقال من منطق السلاح إلى منطق السياسة. والتنصل المتكرر من الاتفاقيات التي سبق أن وافقت عليها السلطة نفسها يُنظر إليه دولياً كدليل على غياب الإرادة السياسية وعدم القدرة على الالتزام بأي مسار تعاقدي مستقر.

في الحسابات الدولية، السلطة التي توقع ثم تتراجع تُصنَّف كطرف غير موثوق، يصعب بناء تسوية طويلة الأمد معه، ويجعل أي حديث عن الشرعية أو الاستقرار مجرد ادعاء بلا سند عملي.

 

الفساد في زمن الحرب وتحول الدولة إلى شبكة مصالح.

 

وحتى مع ظرف الحرب، فإن ملفات الفساد الإداري داخل سلطة بورسودان باتت من الكثرة والتشعب بحيث يصعب حصرها أو إيقافها. هذا الواقع يُقرأ دولياً كدليل على أن السلطة تحولت إلى شبكة مصالح، تستفيد من استمرار الصراع أكثر مما تسعى لإنهائه، وتصبغ نفسها باسم “منتفعين” و”تجار حرب”.

 

تأسيس… سلطة تسعى للاعتراف عبر الإدارة لا الإلغاء.

 

في المقابل، تحاول حكومة التأسيس ترسيخ حضورها بوصفها سلطة إدارة لا سلطة إلغاء. فهي تتحرك داخل منطق مختلف تنظيم المجال، إدارة السكان، ومحاولة إنتاج واقع سياسي يمكن الدفاع عنه، لا مجرد سيطرة عسكرية مؤقتة.

هذا الفارق جوهري في نظر المجتمع الدولي، الذي لا يمنح اهتمامه لمن يدمّر المجال، بل لمن يستطيع التعامل معه سياسياً، حتى وإن بقي موضع خلاف أو رقابة.

السودان والجغرافيا التي لا يمكن تجاهلها

يتضاعف هذا التقييم بسبب الموقع الجغرافي الحساس للسودان. فالسودان يقع عند تقاطع طرق بين القرن الإفريقي، الساحل، شمال إفريقيا والبحر الأحمر، ما يجعله مساراً رئيسياً للهجرة غير النظامية وتهريب البشر، إضافة إلى كونه ممراً لتجارة السلاح والذهب.

لهذا السبب، ينظر الاتحاد الأوروبي إلى السودان بوصفه مساحة أمنية متقدمة. أي سلطة تُنتج الفوضى وتدفع السكان للنزوح الجماعي تُقرأ أوروبياً كتهديد مباشر، بينما تُنظر إلى الجهات القادرة على ضبط الأرض مهما كان الجدل حولها كأطراف لا يمكن تجاوزها في معادلة الاستقرار.

 

المنظور الأمريكي. إدارة الفوضى لا مكافأة الشرعية.

 

أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى السودان ضمن سياق أوسع يشمل أمن البحر الأحمر واستقرار الإقليم. واشنطن لا تكافئ الشرعية الشكلية، لكنها أيضاً لا تتعامل مع سلطات تُنتج كلفة أخلاقية عالية عبر استهداف المدنيين أو تقويض أي مسار تعاقدي موثوق.

من هذه الزاوية، يصبح القصف، والتنصل من الاتفاقات، واستشراء الفساد عوامل متراكمة تُقصي السلطة عن أي تعامل سياسي جاد، وتضعها في مسار المساءلة لا الاحتواء.

الخلاصة

في السياسة الدولية، لا يُقاس الحكم بمن يرفع العلم، بل بمن يحافظ على حياة من يعيشون تحته، وبمن يحترم التزاماته، ولا يحوّل الحرب إلى سوق مفتوحة للمصالح.

ومن يقصف مستشفياته، وينقض اتفاقاته، ويعجز عن ضبط الفساد في زمن الحرب، لا يخسر المعركة فقط، بل يخسر موقعه في حسابات العالم.

أما من يسعى مهما تعثّر لإدارة المدن لا تفريغها من أهلها، فإنه يضع نفسه داخل دوائر الفعل الدولي، لا خارجها.

وفي السودان اليوم، السلوك

هو معيار الشرعية، وخطها الفاصل بين دولة تُدار، وسلطة تُستنزف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!